تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما أصاب إسماعيل باشا صبري حادث في القطار الحديدي بعث شوقي إليه بهذه الأبيات التي يصح أن تكون من جملة مختاراته:

أتتني الصحف عنك مخبرات

بحادثة ولا كالحادثات

بخطبك في القطار أبا حسين

وليس من الخطوب الهينات

أصيب المجد يوم أصبت فيه

ولم تخل الفضيلة من شكاة

وساء الناس أن كبت المعالي

وأزعجهم عثار المكرمات

ولست بناس الآداب لما

تراءت ربها متلهفات

وكان الشعر أجزعها فؤادا

وأحرصها لديك على حياة

هجرت القول أياما قصارا

فكانت فترة للمعجزات

فما أبدع قوله: فكانت فترة للمعجزات. (7) شعره العائلي

ولشوقي من الشعر العائلي لا سيما في خطاب أولاده ما يرويه الناس ويستلطفونه، وإني لأختار منه قوله لولده علي بك يوم ولادته:

رزقت صاحب عهدي

وتم لي النسل بعدي

هم يحسدوني عليه

ويغبطوني بسعدي

ولا أراني ونجلي

سنلتقي عند مجد

وسوف يعلم بيتي

أني أنا النسل وحدي

فيا علي لا تلمني

فما احتقارك قصدي

وأنت مني كروحي

وأنت من أنت عندي

فإن أساءك قولي

كذب أباك بوعد

قيل لنابليون الأول: نريد أن نكتب تاريخ عائلتك، وقد تحيرنا من أين نبدأ؟ فقال: ابدءوا بي، فإني أنا عائلتي. وشوقي يريد أن يقول إن ولده لن يبلغ عبقريته؛ فلذلك سيكون شوقي وحده هو نسل شوقي وليس في ذلك تصغير لابنه؛ أي لا غضاضة على ابنه إن قصر عن شأو أبيه فليس كأبيه كثير من الخلق، فشوقي يعرف من نفسه أنه سينفرد وأن ابنه لن يدركه، وهذا يشير إلى المعنى الذي قلته أنا من رثاء شوقي:

هذا أمير الشعر غير مدافع

في الشرق أجمع منذ فتق لهاته

ما عاب أهل العبقرية أنهم

قد قصروا في الجري عن غاياته

ومثله قولي في الإفرنج يوم هزمهم صلاح الدين في وقعة حطين:

لم يجبنوا ساعة وإن فشلوا

وإنما الليث دونه النمر

وكان لي صاحب لا بأس به، وكان تام الرجولية فارسا مغوارا قاريا للضيف، وإنما كان له أب أعلى منه بدرجات؛ فكان الناس يرونه صغيرا في جانب أبيه ويقولون لي: ولد النجيب لا ينجب، فكان يقول لي: إني والله لم أكن مقصرا في وغى، ولا في ندى، ولا ممن يجد الناس فيه منتقدا، ولكن أبي فضحني وأظهر قصوري ولو كنت ابن رجل آخر لكان أظهر لنجابتي، فإنما الناس تصغر وتكبر بالقياس. (8) الحكايات في شعر شوقي

ولم يجتزئ شوقي من الشعر بالأمداح والمراثي والأمثال الحكمية والمراسلات الإخوانية، بل هام في جميع أودية الخيال، وضرب في عالم الإنشاد في كل منكب، وأبى إلا أن يكون شاعرا كامل الأدوات مستوفيا الشروط، قابضا على ناصية الفصاحة في كل موضوع، فنظم شعرا كثيرا من الحكايات على نسق لافونتين، ونظم على ألسن الطير والحيوانات والحشرات. وله في الجزء الأول من الشوقيات أربعون أو خمسون صفحة ملأى بهذه الخرافات، جعل كلامه فيها مناسبا لموضوعها، فهو كما يعلو في المقامات العالية ويختار لها فخم الكلام وشريف اللفظ يسف في المقامات الساذجة ويلبسها القوالب الخفيفة السهلة اللائقة بها؛ فتراه مثلا يقول في حكايته عن الخفاش ومليكة الفراش:

مرت على الخفاش

مليكة الفراش

تطير بالجموع

سعيا إلى الشموع

فعطفت ومالت

واستضحكت فقالت:

أزريت بالغرام

يا عاشق الظلام

صف لي الصديق الأسودا

الخامل المجردا

قالت سألت فيه

أصدق واصفيه

هو الصديق الوافي

الكامل الأوصاف

جواره أمان

وسره كتمان

وطرفه كليل

إذا هفا الخليل

يحنو على العشاق

يسمح للمشتاق

وجملة المقال

هو الحبيب الغالي

فقالت الحمقاء

وقولها استهزاء

أين أبو المسك الخصي

ذو الثمن المسترخص

من صاحب الأمير

الظاهر المنير

إن عد فيمن أعرف

أسمو به وأشرف

وإن سئلت عنه

وعن مكاني منه

أفاخر الأترابا

وأنثني إعجابا

فقال يا مليكه

وربة الأريكه

إن من الغرور

ملامة المغرور

فأعطني قفاك

وامضي إلى الهلاك

فتركته ساخره

وذهبت مفاخره

وبعد ساعة مضت

من الزمان فانقضت

مرت على الخفاش

مليكة الفراش

ناقصة الأعضاء

تشكو من الفناء

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٧٣