وأهل الغنى بالغنى أتعب
ويشقى أخو الجهل في جهله
ويخرج بالعالم المذهب
موارد مشروعة للحياة
فأي مواردها الأعذب
أتعلم عين الردى من تصيب
وتدري يد الموت من تضرب
ألما تكامل نور الأمين
وتاه به الشرق والمغرب
وأوفى المكارم ما أملت
وأعطى الفضائل ما تطلب
طواه الردى علما فانطوى
به أمل مقبل نرقب
فيا نائيا والهوى ما نأى
وذكراه في البال لا تغرب
هنيئا لدار تيممتها
لقد زارها الملك الأطيب
ومنها:
حسبت على رحمات الرحيم
وجادك رضوانه الصيب
ولا زالت السحب منهلة
وأنت لأذيالها تسحب
وروتك منا دموع تسيل
تخامرها مهج تسكب
وأما رثاء كاتب هذه السطور للمرحوم أمين باشا فكري، فهو هذا:
بقية مجد ودعت يوم ودعا
وآمال عز آن أن تتقطعا
ولم تنعه الأيام إلا وأدمجت
من الشرق شطرا في منيته معا
لقد جاءنا نوء الزمان مصائبا
يلوح لنا أن مزنها ليس مقلعا
وسبحان من ساق الردى بوجوهه
فلقى لعمري الجمع والفرد مصرعا
إذا شن جيش النحس في القوم غارة
فما أجدر الأرزاء أن تتنوعا
وقد وقع مصاب أمين باشا فكري في أيام كانت كلها مصائب سياسية على مصر؛ من جملتها استيلاء الإنجليز على السودان:
وما كنت حتى اليوم أحسب دهرنا
إذا ساء لا يرتاد للعذر موضعا
ألم يكفه ما غال من كل غاية
وأفسد من معنى وعطل مرجعا
وضيق أرجاء الرجاء فسدها
وراخى مجالات المراثي وأوسعا
كذا فليجل الخطب وليفدح الأسى
وتنقلب العليا بمارن أجدعا
حلفت فلا تمري النوادب عبرتي
على فائت ولينع دهرك من نعى
فهيهات ما إن أستثار لفاجع
إذا كان من أودى الأمين المشيعا
أحبتنا إن قيل في الصبر رجلة
فإني فتى أبغي أنوح وأجزعا
تركت لكم فضل التصبر صبرة
وقلت لطرفي اليوم لا تأل مدمعا
وشعشع كئوس الدمع بالدم ساقيا
فكل شراب زينه أن يشعشعا
واعتدها نحو الأمين خيانة
إذا أنا لم أستف ذا الكأس مترعا
فما كان ودي للأعزة ضائعا
ولا كان قلبي من أخي الود بلقعا
حملت له بين الضلوع أمانة
لو احتملتها الشم مالت تصدعا
وأصفيته مني إخاء لو انه
أعار الليالي صفوه رقن مشرعا
وما زلت أرعاه على البعد صاحبا
وقبلي نجوم الأفق مثلي من رعى
فإن يك هذا الترب غرب بدره
فلا زهرت تلك الكواكب مطلعا
ولا لمعت تلك البروق وقد خبت
بروق أمان كن بالأمس لمعا
قضى اليوم من راع البرية رزؤه
وليس يراع الناس إلا لأروعا
ولم يأت فيه الموت مصرع واحد
ولكنه كان المصارع أجمعا
أصاب الحجى والعلم والحزم والمضا
وصدق المبادي والذمام الممنعا
وما بقيت في المكرمات سجية
ولا خطة إلا ثوت معه مضجعا
فلو نفعت عند المنون شفاعة
كفته فريدات الخصال مشفعا
ودافع عن حوبائه طيب الثنا
وخلده لو أن في الخلد مطمعا
ولكن داعي الموت لا يقبل الرشى
ولم يلق أسرى منه نفسا وأرفعا
مصاب له الأقطار إذ شاع زلزلت
فلا ركن للعلياء إلا تزعزعا
أذل إباء الدمع من كل جامد
فلم يبق عاص منه حتى تطوعا
ولم أر في الأرزاء أبعد غارة
ولا من قلوب الخلق أقرب موقعا
عشية ما في الناس مالك عبرة
ولا زفرات الصدر إلا تصنعا
عشية لم تبق الفجيعة مسكة
ولا حزم للمحزون إلا مضيعا
عشية وارى الناس شمسا وأظلمت
لها الشمس حتى لا ترد بيوشعا
فكم من يد أضحت تدق بأختها
وكم شفة باتت تجاور إصبعا
فإن يك وادي النيل أشعر فقده
فلا جبل في الشام إلا تضعضعا
كريم به لفظ الكريم مقصر
إذا قيل عن قوم كرام توسعا
توخى طريق الخير محضا كأنه
من المهد حتى اللحد جاء لينفعا
له خلق سهل ونفس أبية
وحسن خلال دونها الروض ممرعا
وأقلام صدق راجع في ولائها
لأكتب من أوتي الكتاب وأبرعا
فمن بعد عبد الله كان مؤملا
بأن لم يغب ذا الأصل إلا وفرعا
هذه ثلاث مراث في أمين باشا فكري لثلاثة أصحاب من أعز الناس عليه وأعزهم له. ولو فسح المقام لاستوفيت له ثلاثين مرثية وكان بها قمنا، وقد تأملت الآن كيف كنا أربعة أصحاب، كل يحب إخوانه الآخرين ويجلهم، فقد كنت أحب أمين باشا وأجله، وكانت بيننا مراسلة بعد مراسلة مع أبيه عبد الله باشا فكري الأديب المشهور، وكنت أحب إسماعيل باشا صبري وأجله إجلالي لأخيه أمين باشا. ولما كان صبري محافظا للإسكندرية وقدمها من أبناء عمي الأمير عارف أرسلان احتفى به إسماعيل باشا جد الاحتفاء، فلما عاد ابن عمي إلى سورية رغب إلي في أن أرسل قصيدة بإمضائه إلى إسماعيل باشا شكرا له على حفاوته، فنظمت قصيدة سيقرؤها قراء ديواني الذي تحت الطبع. وكنت أحب شوقي وأجله وأقدسه كما يدل عليه كتابي هذا، وكان شوقي يحب صبري وفكري ويجلهما كما ترى من شعره. فهؤلاء ثلاثة إخوان في نسق قد طوتهم المنون من دوني، وبقيت في حياة موحشة بفقد أصحابي، مقفرة من أنس أترابي أتسلى عنهم بالآثار والذكريات، وأرسل وراءهم الحسرات والزفرات الكبريات، قائلا: لا حياة بعد صدع ذلك الشمل، وبي منهم فوق الرمل ما بهم في الرمل، كما قال أبو الطيب من قبل.