لما ركبت الآلة الحدباء
وتيتم الأيتام أول مرة
ورمى الزمان بصرفه الفقراء
ولقد عهدتك لا تضيع راجيا
واليوم ضاع الكل فيك رجاء
وعلمت أنك من تود ومن يفي
فقف الغداة لو استطعت وفاء
أبنيه كونوا للعدى من بعده
كيدا وكونوا للولي عزاء
وكان سليمان باشا أباظة من أفاضل مصر لائقا بهذا الرثاء، وقد تعرفت إليه بواسطة أستاذنا الشيخ محمد عبده، وسمرنا عنده ليلة في سنة 1890، فرأيت كثيرا من نبله، وسمعت جزيلا من فضله، ولشوقي رثاء رثى به سليم بك تقلا مؤسس جريدة الأهرام، فقال:
ضن الزمان به وكان كريما
واعتل بعد أن استقام سليما
فقدت يداه منه أسمر حاليا
لدنا كما تهوى الأمور قويما
بكت القلوب عليه قبل عيونها
فجرين حبات وسلن صميما
أمودع الأوطان تارك عهدها
حكما وآدابا به وعلوما
ماذا رحيلك إنها كانت ترى
لك أن تدوم لمجدها فيدوما
لله أهرام الزمان وما جلا
فيها لسان الصدق منك كريما
أودعتها لمح الهدى وبدائها
لو كن للجوزاء كن نجوما
فارحل حبيبا ما يطاق رحيله
واقدم مرجى ما يطاق قدوما
واستحفظ الأهرام قومك إنهم
سم الأعادي حادثا وقديما
وله رثاء لعلي حيدر باشا يكن:
قلت لما لقيت حيدر يوما
هكذا هكذا الدم العلوي
هكذا البر والندى والأيادي
والمعالي والسؤدد اليكني
أنت لو كان في الغنى لك ثان
لم يبغض إلى الفقير الغني
شرفت بالوزير أسرة مجد
مثل ما شرفت بحاتم طي
كان ركنا لبيتهم وعمادا
فتولى فانهد ركن قوي
وأصيبت وزارة وبلاد
لعلي فيها المقام العلي
ثم عزى فيها ولده صفر بك، فقال:
العزاء العزاء يا صفر الخي
ر فأنت الفتى اللبيب التقي
حكم الله في أبيك وحكم الله
في الخلق سابق مقضي
كلنا من بكى أباه وكل
بعد حين مودع مبكي
ورثى المرحوم أمين باشا فكري، وكان أمين باشا صديقا للمرحوم إسماعيل باشا صبري فقال يرثي الأول ويعزي الثاني:
يا أقرب الناس من أمين
وأفقد الناس للثمين
خطبك هذا أجل خطب
فخذ له الصبر باليمين
أسليك فيه ولي فؤاد
يذوب للميت والحزين
فقم بنا نندب المعالي
فجرحها اليوم في الوتين
أمثل فكري أبا حسين
يموت في نضرة السنين
والناس في حاجة إليه
والقطر يرجوه للشئون
مؤمل الكل في شباب
ومرتجى الأهل والبنين
كذلك الموت كل يوم
يبدي فنونا من الجنون
فلو علمت المنون شخصا
لقلت لا عقل للمنون
وكان إسماعيل باشا صبري، كما لا يخفى، من كبار الشعراء ومن حسنات مصر الكبرى، وقد رثى صديقه أمين باشا فكري بقصيدة، أثبتها شوقي في ديوانه تعظيما لمقام الراثي والمرثي، فها أنذا أيضا أقفو أثر شوقي فأنشر رثاء شوقي ورثاء صبري وأعززهما بثالث هو رثائي لأمين باشا، فقد كان صديقي وكان من شبان مصر المشار إليهم بالبنان، والذين يجدر بمصر وبغيرها من بلاد العرب أن ترثيهم وتبكيهم على طول الزمان، قال إسماعيل باشا صبري:
وهبتك يا دهر من تطلب
أبعد أمين أخ يصحب
طويت المودة في شخصه
فأي وداد امرئ أخطب
وأي بديل له أرتضي
وأي شمائله أندب
أمين اتئد في النوى وارعني
فبيني وبينك ما يوجب
أتذكر إذ أنت مني النياط
من القلب أو أنت لي أقرب
وإذ نحن هذا لهذا أخ
وهذا لذا ابن وهذا أب
ومن قال عنا من الناظرين
نديمي جذيمة لا يكذب
حسبت بأنك لي خالد
فكان الذي لم أكن أحسب
كم تتوارد الخواطر بين الشعراء فإني عندما قرأت هذا البيت تذكرت قولي منذ شهر من الزمن لا غير في رثاء صديقي الحاج عبد السلام بنونة:
قد كنت آمل أن نحيى معاصرة
مديد عمر وألقاه ويلقاني
أدعو له في جناني كلما انفردت
نفسي بنجوى وأرعاه ويرعاني
فخيب البين ما قد كنت آمله
وكم أرتني الليالي ضد حسباني
ثم يقول إسماعيل صبري:
أفي ذا الشباب وهذا الإهاب
يموت الفتى الطاهر الطيب
عجيب من الموت أفعاله
وعتبي على فعله أعجب
بذا حكم الله في خلقه
لكل امرئ أجل يكتب
وجدت الحياة طريق الممات
وكل إلى حتفه يسرب
ويعثر فيه الفتى بالشباب
ويدلف بالعلة الأشيب
ويتعب بالزاد فيه الفقير