تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما ملكوك في سوق ولكن

لدى ظل القنا والمرهفات

أي إنها لم تكن أمة اشتراها النخاس في سوق، ولكن كانت من جملة السبي في الحرب ثم يفصل ذلك:

عنت لهم بمورة بنت عشر

وسيف الموت في هام الكماة

فكنت لهم وللرحمن صيدا

وواسطة لعقد المسلمات

تبعت محمدا من بعد عيسى

لخيرك في سنيك الأوليات

وتحرير الخبر أنها كانت من جملة سبي حرب المورة فهي رومية الجنس، نشأت في الإسلام وهي بنت عشر سنوات، ولم يشأ شوقي أن يجعل للمتنبي وحده حصة الفخر بجدته، ويجعل لجدته حق الفخر به، فالمتنبي يقول في رثاء المرحومة جدته:

ولو لم تكوني بيت أكرم والد

لكان أباك الضخم كونك لي أما

أي إنها تقدر أن تفتخر بنسب ابنها، ولكن لو فرضنا أنها لم تكن بنت أب كريم لكان يجزيها في مقام الفخر كونها جدة أبي الطيب.

وهنا شوقي يقول:

ولو لم تظهري في العرب إلا

لأحمد كنت خير الوالدات

تجاوزت الولائد فاخرات

إلى فخر القبائل واللغات

وأحكم من تحكم في يراع

وأبلغ من تبلغ من دواة

وأبرأ من تبرأ من عداء

وأنزه من تنزه عن شنات

وأصون صائن لأخيه عرضا

وأحفظ حافظ عهد اللدات

وأقتل قاتل للدهر جرءا

وأصبر صابر للغاشيات

والحاصل أنه أفضى بجميع ما عنده من حسن الظن بنفسه رحمه الله، فلولا قليل لبلغ من الفخر مبلغ ابن سناء الملك، ولكن الذي حفزه إلى ركوب هذا المركب في رثاء جدته هو أن والده الروحي أبا الطيب قد ركب هذا المركب من قبل في مثل هذا المقام ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده.

ولما كنا في باريس أنا وشوقي لأول معارفتنا وكلانا في الثالثة والعشرين من العمر، كان يذكر لي دائما محبة عبد الرحمن باشا رشدي له، ويطلعني على كتب من هذا الوزير إليه، ولما كنا نمرح ونعبث ويقول كل منا للآخر كل شيء يخطر بباله، قال لي مرة: إنه يحب عبد الرحمن باشا رشدي مثل والده، وإنه متى مات سيبادر برثائه فكانت نكتة ضحكنا لها كثيرا، وقلت له: ما أحسن وفاءك! وقد حصل ذلك فعلا؛ فإن عبد الرحمن باشا رشدي بعد هذا الكلام بسنوات قد مضى إلى رحمة ربه، وقد أنجز شوقي وعده برثائه، وقال فيه ما يدل على شدة تعلقه به فقال:

يقولون رشدي مات قلت صدقتمو

ومات صوابي يوم ذاك وآمالي

وركني الذي للنائبات أعده

وذخري في الماضي وعوني على الحال

أرشدي لقد عشت الذي عشت سيدا

ولم تك عبد الجاه والأمر والمال

ولم تأل كتب العلم درسا ومطلبا

ولم تك عنها في الثمانين بالسالي

وكنت تحل الفضل أسمى محلة

وتنزل أهل الفضل في المنزل العالي

ولم تتخير ألف خل وصاحب

ولكن من تختاره الواحد الغالي

فشوقي في رثاء عبد الرحمن رشدي لم ينس أن يمدح نفسه أيضا، ثم يقول:

حببتك والدنيا تحبك كلها

وزدتك حبا عندما كثر القالي

وقست بك الأعيان حيا وميتا

فوالله ما جاء القياس بأمثال

ولو أن إنسانا من الموت يفتدى

فديتك بالنفس النفيسة والآل

ورثى فقيدي العلم الوزير على باشا مبارك والطبيب سالم باشا سالم، فقال:

ما لذا الدهر ماله والدعائم

أعلي بالأمس واليوم سالم؟

نقص الله مصر من طرفيها

بالفقيدين من طبيب وعالم

الذي كان مظهر العلم فيها

والذي كان طبها والمراهم

وإذا قدر الإله شقاء

لبلاد أصاب فيها الأعاظم

وله رثاء في غاية السلاسة للمرحوم سليمان باشا أباظة قال فيه:

من ظن بعدك أن يقول رثاء

فليرث من هذا الورى من شاء

ومنها:

أأبا محمد اتئد في ذا النوى

وارفق بآلك وارحم الأبناء

واستبق عزهم بطهراء التي

كانوا النجوم بها وكنت سماء

أدجى بها ليل الخطوب وطالما

ملئت منازلها سنى وسناء

وإذا سليمان استقل محلة

كانت بساطا للندى ورخاء

لا شك أن شوقي عندما لفظ اسم سليمان خطر بباله سليمان بن داود، فتذكر معه بساط الريح والريح الرخاء، فجاء بهما في البيت، وحولهما إلى معنى آخر، وهكذا هو الشعر كثرة شجون وانتقال أفكار، وأحسن الناس شعرا أسرعهم انتقالا، ثم يقول:

سارت جنازة كل فضل في الورى

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٧٠