وأنبتت من كل زوج بهيج ، وقال تعالى:
وأنه خلق الزوجين ، وقال تعالى:
وخلقناكم أزواجا ، وقال تعالى:
والذي خلق الأزواج ... وغير ذلك من الآي العظام في هذا المعنى، وقد فسر العلامة الرياضي الفريد الغازي مختار باشا - رحمه الله - في كتابه «سرائر القرآن» هذه الآيات وغيرها بقوله: إن جميع الكون مبني على الزوجية، فالعالم الحيواني كله أزواج كما هو ظاهر والعالم النباتي أيضا لا يختلف عن العالم الحيواني في الزوجية، والجمادات فيها القوتان السلبية والإيجابية من الكهربائية أي فيها الزوج كالحيوانات والنباتات، فالكون كله أب وأم، ثم قال شوقي:
ما أبي إلا أخ فارقته
وده الصدق وود الناس مين
طالما قمنا إلى مائدة
كانت الكسرة فيها كسرتين
وشربنا من إناء واحد
وغسلنا بعد ذا فيه اليدين
وتمشينا يدي في يده
من رآنا قال عنا أخوين
نظر الدهر إلينا نظرة
سوت الشر فكانت نظرتين
يا أبي، والموت كأس مرة
لا تذوق النفس منها مرتين
كيف كانت ساعة قضيتها
كل صعب قبلها أو بعد هين
أشربت الموت فيها جرعة
أم شربت الموت فيها جرعتين
كأن شوقي يسأل أباه - رحمهما الله - كيف تجرع تلك الكأس؟ هل تجرعها نفسا واحدا أم تجرعها أنفاسا؟ فقد صار الآن يدري ما دراه أبوه، وكل حي فهو داريها في يوم من الأيام، ثم قال:
لا تخف بعدك حزنا أو بكا
جمدت مني ومنك اليوم عين
أي جمدت عين أبيه بالموت وجمدت عينه بكونه أصبح لا يبكي لمصيبة بعد موت أبيه؛ إذ المصائب كلها تهون بعد هذا المصاب. وهذا معنى طرقه الشعراء، فليس بجديد ولي أنا في رثاء صديقي محمود سامي باشا:
هانت بمصرعك الأرزاء أجمعها
فليس يعظم من رزء ولو عظما
وقد كررته في قصيدة حديثة؛ هي رثاء لصديقي الحاج عبد السلام بنونة عميد بلاد الريف بالمغرب:
يقل بعدك مدفونا فجعت به
أن استطار على ضعفي لحدثان
ثم يقول شوقي:
ليت شعري هل لنا أن نلتقي
مرة أم ذا افتراق الملوين
وإذا مت وأودعت الثرى
أنلقى حفرة أم حفرتين
لعمري هذا هو المشكل الذي أعيى على الثقلين عرفانه ولم يضئ من طريق العقل برهانه، وإنما هو مما أوحى به الدين وحيا لا يخالف العقل، بل هو يؤيده، وقد قال أحد السادة الصوفية: ما رأته العيون ينسب إلى العلم، وما رأته القلوب ينسب إلى اليقين. وهذا مما تراه القلوب لا العيون.
ثم يتساءل شوقي: هل بعد هذه الدنيا اجتماع حتى يجتمع بأبيه؟ وهل هذه هي الحفرة الأخيرة أم يعود فيلد مرة أخرى ويستقبل حفرة ثانية وهلم جرا. وقد ذهب الناس من كبير وصغير ودرج الخلائق من أول وأخير وهم في حسرة أن يعرفوا من طريق الفكر هذا السر في هذه الحياة الدنيا قبل أن يموتوا فماتوا والحسرة في قلوبهم، ثم يرثي جدته:
خلقنا للحياة وللممات
ومن هذين كل الحادثات
ومن يولد يعش ويمت كأن لم
يمر خياله بالكائنات
هي الدنيا قتال نحن فيه
مقاصد للحسام وللقناة
وكل الناس مدفوع إليه
كما دفع الجبان إلى الثبات
نروع ما نروع ثم نرمى
بسهم من يد المقدور آت
ومراد الشاعر هنا أن الإنسان يروع طول حياته ويقضيها كلها في آلام وأهوال، ثم ينتهي منها إلى أعظم البلاء الذي هو الموت.
ولي في هذا المعنى في رثائي للمرحوم أحمد باشا تيمور، وهو توارد خواطر:
لعمرك ما بالعيش إرب لعاقل
توغل في علم الحقيقة خاطره
تسلسل آلام وترداد محنة
تراوحه في كربها وتباكره
وخيبة آمال وفقد أعزة
وبعد طوال السجن فالموت آخره
ثم أهنئ الفقيد بأنه جاز هذه الدنيا إلى حياة لا يروع فيها دائما باستقبال الموت، فأقول:
ليهنك يا تيمور أنك جزتها
إلى ملأ لا يعرف الموت زائره
وفارقت دارا لا يزال قطينها
يفكر في الهول الذي هو غامره
فإن تك عقبى الدار قسمة فاضل
فأقصى أمانيك الذي أنت صائره
ثم يقول شوقي لجدته:
تبناك الملوك وكنت منهم
بمنزلة البنين أو البنات
يظلون المناقب منك شتى
ويؤون التقى والصالحات