تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وال من نأى ربه ليس يهدا

لم تكن من جنى عليه ولكن

عودته الأيام أن يستبدا

منعت مصر أن تتوج مصر

وأبى النيل أن يجرر وردا

وفيها يصف وفد الملوك يوم فتح ترعة السويس:

نهضت مصر بالزمان نزيلا

وبأهليه يوم ذلك وفدا

خطروا بين زاخرين ولاقوا

ثالثا من نداك أحلى وأندى

بين فلك يجري وآخر راس

ولواء يحدو وآخر يحدى

وملوك «صيد» يراح بهم في

واسع الريف والصعيد ويغدى

صور لم تكن حقا وحلم

فجع الصبح فيه لما تبدى

يظهر أن شوقي هو ممن يجيز استعمال «تبدى» بمعنى بدا أي ظهر؛ إذ لا يخفى وقوع الاختلاف فيه، ومن الناس من يذهب إلى أن تبدى لا تفيد إلا معنى الدخول في البداوة، ثم يقول:

وقناطير يجفل الحصر عنها

كل يوم تعدها مصر عدا

وملكت السودان في الطول والعر

ض وفي شأنه المعظم عبدا

نلت بالمال والدما منه أرضا

بجبال الياقوت والدر تفدى

ثم نظمته ممالك كانت

نار تنظيمها سلاما وبردا

ثم يشير إلى الواقعة التي وقعت بين مصر والحبشة وإلى تمحيص الجيش المصري فيها فيقول:

ليت لم تغش بعده في حماها

حبش المكر والخديعة أسدا

سلبوا مصر أي جيش كريم

كان للمجد والفخار أعدا

أنت أنشأته فلم تر مصر

جحفلا بعده ولم تر جندا

وتوليته بعطفك والبر

وللمكرمات لم تأل جهدا

فهوى جيشك العظيم ومالت

راية كان حقها أن تسدا

ونفضت اليدين يأسا على الرغ

م كأن لم تجد من الصبر بدا

وإذا لم يكن من الله عون

فاطراح الآمال بالنفس أبدى

يا لعصر رآك في العز لا ير

سل دمعا ولا يبلل خدا

أين ود عهدت منه وعطف

وولاء مؤكد كان أبدى

وملوك له أتتك وسادا

ت حداها إليك وفدا فوفدا

أبت الناس فيك للناس إلا

أن يجاروا الزمان وصلا وصدا

فرأيت الحميم أول جاف

ووجدت الولي في البؤس ضدا

ورجالا لولاك لم يعرفوا العي

ش أبوا أن يقدموا لك حمدا

نعم هذا حال الناس مع الزمان يدورون حيث دار، ثم يقول:

بان مجد البلاد إذ بنت والصف

و وكان الرجاء حيا فأودى

فبكى البائسون منك حساما

طالما قد هامه الخطب قدا

إن تأكيد المفعول المطلق يصح في الحقيقة لا في المجاز كما هي القاعدة؛ أي يقال: سال السحاب سيلا؛ لأنه حقيقي، ولا يجوز أن يقال: سال كرم حاتم سيلا؛ لأنه مجاز، غير أني لا أرى هذه القاعدة مرعية عند الشعراء من القديم.

ثم يقول:

عد إلى مصرك الوفية وانزل

في ثراها واسكن من المهد لحدا

لا تقل أعرضت بلادي وصدت

مصر خير هوى وأكرم عهدا

وقبيح بالدار أن تعرف البغض

وبالمهد أن يباشر حقدا

غفرت مصر ما مضى لعلي

وبنيه وللحفيد المفدى

فشوقي كان لا ينسى «الحفيد المفدى» كيفما انقلب؛ إذ هو شاعره، والذي يريد شوقي أن يدير الكلام كله عليه وإن انحرف عنه يمنة أو يسرة فلكي يرجعه إليه.

ومن أحسن ما نظم شوقي في الرثاء قوله عند وفاة والده علي بك شوقي:

سألوني لم لم أرث أبي

ورثاء الأب دين أي دين

أيها اللوام ما أظلمكم

أين لي العقل الذي يسعد أين

يا أبي ما أنت في ذا أول

كل نفس للمنايا فرض عين

هلكت قبلك ناس وقرى

ونعى الناعون خير الثقلين

غاية المرء وإن طال المدى

آخذ يأخذه بالأصغرين

وطبيب يتولى عاجزا

نافضا من طبه خفي حنين

أنا من مات ومن مات أنا

لقي الموت كلانا مرتين

نحن كنا مهجة في بدن

ثم صرنا مهجة في بدنين

ثم عدنا مهجة في بدن

ثم نلقى جثة في كفنين

وهذا من أعلى الفلسفة، وقد يقال إن هذا معروف ليس فيه معنى مبتكر، والجواب على ذلك أن أفصح الكلام هو ما تضمن المعنى المعروف لا المعنى الغامض ولكن العبرة في القوالب. وأنى نجد هذه الحقائق في مثل هذه الرقائق. وبعد أن ذكر كيف كان هو وأبوه واحدا، ثم صارا اثنين عاد فقال إن هذين الاثنين سيصيران إلى واحد هو ابنه علي:

ثم نحيا في علي بعدنا

وبه نبعث أولى البعثتين

انظر الكون وقل في وصفه

كل هذا أصله من أبوين

وهذا أيضا من أعلى الفلسفة، ومما جاء في كتاب الله، قال تعالى:

ومن كل شيء خلقنا زوجين ، وقال تعالى:

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٦٨