باكرت دار الملك فيه بموكب
قام السراة به وحف العسكر
راعت روائعه النهار جلالة
فالشمس تجفل والضحى تستأخر
كسي الخميس به جمالك رونقا
وأعير غرتك اللواء الأحمر
فالأرض مائجة المذاهب بالقنا
والأفق حال بالسيوف مجوهر
والخيل تعجب بالكماة وتنثني
وتشير تيها بالوجوه وتخطر
ومن السلامة في ركابك هاتف
ومن الدعاء مهلل ومكبر
من قرأ القصيدتين البحترية والشوقية لم يتردد في أن يقول إن القديم طبع والجديد تطبع، وأن الأول توليد وأن الآخر تقليد، ولكن لو تأمل المتأمل وكان بصيرا بشعر الجاهلية والمخضرمين والمولدين لعلم أن البحتري والمتنبي وأبا تمام وأولئك الفحول لم ينطبعوا إلا على غرار من تقدمهم، فإن القراءة تستقر في الذهن وإن القوالب ترسخ في الطبع فتهتف بمثلها سليقة الشاعر، وقد يكون لا يتذكرها ولا يتعمد محاكاتها ولا يحسب أنها من محفوظه فيظن من لا بصيرة له أن هذا الشاعر قد سرق من ذلك الشاعر الذي تقدمه، وهو في هذا الحكم ظالم متعسف أو جاهل لا يعرف؛ لأنه ليس كل من جاء في كلامه شيء متوارد مع كلام آخر يجب أن نعده سارقا، وقد كنت أروي مرة قصيدة محمود سامي التي سبق إيرادنا منها، وهي التي يعارض فيها رائية أبي نواس في الخصيب، وذلك أمام رجل من الأدباء رواة الشعر الجيد، فلما وصلت إلى قول محمود سامي:
ولي شيمة تأبى الدنايا وعزمة
تفل شباة الخطب وهو عسير
معودة ألا تكف عنانها
عن الجد إلا أن تتم أمور
قال لي ذلك الأديب: إن هذا لمن قوله:
معودة ألا تسل نصالها
فتغمد حتى يستباح قتيل
فقلت له: إذا كنت تلتزم هذا المذهب فلا يبقى شاعر إلا وهو سارق ولا يلبث فوق الغربال لا متنبي ولا بحتري ولا غيرهما، فإن هذه المشابهات قد وجدناها بين كلامهم وكلام الجاهليين والمتقدمين في مواضع كثيرة، وماذا تقول في قول امرئ القيس:
وقوفا بها صحبي علي مطيهم
يقولون لا تهلك أسى وتجمل
ثم قول طرفة بن العبد:
وقوفا بها صحبي علي مطيهم
يقولون لا تهلك أسى وتجلد
فالبيتان بيت واحد لا يختلفان إلا في لفظتي «تجمل» و«تجلد» وكلتاهما بمعنى واحد والحال أن الشاعرين كل منهما فحل لا يحتاج أن يستعير من الآخر وكلاهما بحر لا تنزحه الدلاء.
ولشوقي من جيد الغزل أبيات تخلص منها إلى مديح الخديوي، وهي هذه:
دع عنك ما صاغ الوشاة وزخرفوا
واسمع لحسنك إنه بي أعرف
أيكون عندك في يديك وجوده
ويكون للعذال فيه تصرف
ماذا أقول وكيف وصفي مهجة
فعلت بها عيناك ما لا يوصف
يا من حوى روحي وضن بنظرة
لا أنت ذو بخل ولا أنا مسرف
ما بت فيك معاديا طيب الكرى
إلا وأنت على عدوي أعطف
رفعت لناظرك المحاسن دولة
القول فيها ما يقول المرهف
وحبتك من بين الملاح بوجنة
كالنار لا تلوي على ما تتلف
أما عذولي في هواك فطاعني
لم يلق ما ألقى فكيف يعنف
أنا لا أميل إلى الملامة فهي من
بدع الهوى ولكل شرع زخرف
حاشا المروءة منذ سن خلالها
عباس حلمي في الكرام ليقتفوا
ومن الغزل الذي تخلص به إلى المديح قوله:
حلو الوعود متى وفاك
أتراك منجزها تراك
من كل لفظ لو قبلت
لأجله قبلت فاك
يروي الحلاوة عن ثنايا
ك العذاب وعن لماك
رخصت به الدنيا فكي
ف إذا أنالته يداك
ظلما أقول جنى الهوى
لم يجن إلا مقلتاك
غدتا منية من رأي
ت ورحت منية من رآك
والنفس تهلك مرة
والنفس يشفيها الهلاك
من علم الأجفان في
أهدابها مد الشباك
وتصيد الآساد بال
آجام تسلبها الحراك
يا قاسي القلب اتئد
وأقل صدك في جفاك
ماذا انتفاعي فيك بالر
حماء من باك وشاك
نفس قضت في الحب من
أولى برحمتها سواك
عباس عش للآل عش
للملك عش لبني ولاك
قابلت بالتاج الهلا
ل وجزت بالعرش السماك
ونهضت تبعث من ثنا
ئك للنجوم ومن سناك
ومن القصائد المرقصة ما قاله في المرحوم الخديوي مهنئا له بعيد الأضحى:
لك مصر يجري تحت عرشك نيلها
ولك البلاد عريضها وطويلها
ومنها:
يسمو بك الآباء أو تسمو بهم