تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولشوقي قصيدة في الخديوي يعارض فيها قصيدة البحتري الرائية في المتوكل على الله العباسي، قال شوقي:

أشكو هواك لمن يلوم فيعذر

وأجادل العذال فيك وأكثر

وأبيت أجتنب الرقيب وأتقي

وأخاف ألسنة الوشاة وأحذر

وأصون ذكر هواك عن هذا الورى

وأجل سرك أن يذاع وأكبر

وأردد الزفرات فيك وأشتكي

وأعلل القلب الشقي وأصبر

الله في صب قضى إنسانه

سهرا عليك ومن بحبك يسهر

وجوانح بليت وما بلي الأسى

وحشى تموج به الضلوع وتظهر

فشوقي عندما كان يقول هذه القصيدة الرائية كان كأنه ينظر إلى قول أبي عبادة:

أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر

وألام في كمد عليك وأعذر

وأراك خنت على النوى من لم يخن

عهد الهوى وهجرت من لا يهجر

وطلبت منك مودة لم أعطها

إن المعنى طالب لا يظفر

هل دين علوة يستطاع فيقتضى

أو ظلم علوة يستفيق فيقصر

ثم تخلص شوقي من النسيب إلى المديح اقتضابا على طريقة البحتري، فإنه بينما كان ينسب ويقول: وحشى تموج به الضلوع ويظهر، إذا به خاطب الممدوح فقال:

هجر الكرام إليك يا ابن محمد

ورحابك الدنيا التي لا تهجر

تهتز من كرم وترتجل الندى

وتنيل من فوق الظنون وتغمر

وتعيد عهد الجود بالنعم التي

يحيا الزمان ببعضها والأعصر

ثم يقول:

وكذا الأصيل إذا سما لخليقة

شرعت مناسبه وسن العنصر

لولا دماء في العروق كريمة

ما عف كسرى أو تواضع قيصر

ثم يقول:

وأعدت للنيل العلوم وعهدها

والعلم تاج للبلاد ومظهر

ما جل عيب أو تناهت سوأة

إلا وعيب أخي الجهالة أكبر

وإذا الفتى لم يحله عرفانه

فالحسن أول شائن والمنظر

أيدت أعلام الإمارة بعد ما

طوت الخطوب وأقسمت لا تنشر

وكذلك البحتري بينما يقول:

وإني وإن جانفت بعض بطانتي

وتوهم الواشون أني مقصر

ليشوقني سحر العيون المجتلى

ويروقني ورد الخدود الأحمر

إذا به انتقل إلى المديح اقتضابا فقال:

الله مكن للخليفة جعفر

ملكا يحسنه الخليفة جعفر

نعمى من الله اصطفاه بفضلها

والله يرزق من يشاء ويقدر

فاسلم أمير المؤمنين ولا تزل

تعطي الزيادة في البقاء وتشكر

عمت فواضلك البرية فالتقى

فيها المقل على الغنى والمكثر

وكان شوقي يهنئ الخديوي بعيد مولده، فقال:

شرفا جمادى نلت بالعباس ما

لا ترتجيه من البدور الأشهر

أو كلما جددت للدنيا سنا

ذكرت ولاد السعد فيما تذكر

في المهد يرعاه الرجاء ويرتجي

وتعد آمال البلاد وتذخر

وتطول أعناق السراة بربها

طورا ويدركها الخشوع فتقصر

يوم هو الأعياد إلا أنه

حسب الزمان به يتيه ويفخر

والبحتري كان يهنئ المتوكل بعيد الفطر، فهو يقول:

بالبر صمت وأنت أفضل صائم

وبسنة الله الرضية تفطر

فانعم بيوم الفطر عينا إنه

يوم أغر من الزمان مشهر

ووصف البحتري موكب الخليفة وكان هذا من الأوصاف التي لا تزال تعد من غرر الشعر، وتحصى من منتخبات الشعراء، قال:

أظهرت عز الملك فيه بجحفل

لجب يحاط الدين فيه وينصر

خلنا الحبال تسير فيه وقد غدت

عددا يسير بها العديد الأكثر

فالخيل تصهل والفوارس تدعي

والبيض تلمع والأسنة تزهر

والأرض خاشعة تميد بثقلها

والجو معتكر الجوانب أغبر

والشمس ماتعة توقد بالضحى

طورا ويطفئها العجاج الأكدر

حتى طلعت بضوء وجهك فانجلت

تلك الدجى وانجاب ذاك العثير

وافتن فيك الناظرون فأصبع

يومي إليك بها وعين تنظر

يجدون رؤيتك التي فازوا بها

من أنعم الله التي لا تكفر

ذكروا بطلعتك النبي فهللوا

لما طلعت من الصفوف وكبروا

حتى انتهيت إلى المصلى لابسا

نور الهدى يبدو عليك ويظهر

ومشيت مشية خاشع متواضع

لله لا يزهى ولا يتكبر

فلو ان مشتاقا تكلف غير ما

في وسعه لسعى إليك المنبر

أيدت من فصل الخطاب بحكمة

تنبي عن الحق المبين وتخبر

ووقفت في برد النبي مذكرا

بالله تنذر تارة وتبشر

ومواعظ شفت الصدور من الذي

يعتادها وشفاؤها متعذر

صلوا وراء الآخذين بعصمة

من ربهم وبذمة لا تخفر

فاسلم بمغفرة الإله فلم يزل

يهب الذنوب لمن يشاء ويغفر

فعارض شوقي أبا عبادة البحتري في وصف الموكب، فقال:

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٦١