تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في دولة علياء أنت سليلها

فمحمد في الترك كان عليها

يعتز معشرها به وقبيلها

ولئن غدا للعرب بيتك كعبة

يسعى لها فأبوك إسماعيلها

وإذا تسابقت الفوارس تصطلي

نار الوغى فأبو أبيك خليلها

مولاي مصرك لا تزال عزيزة

بين الممالك زاهرا بك جيلها

ألقت مفاتحها إليك فأصبحت

يزن الزمان كنوزها ويكيلها

دانت لأمرك في الأمور عظائم

ما زال مأمونا عليك سبيلها

وتهيأت لعلاك مملكة سما

نحو السهى بك وازدهى إكليلها

واخضر من غرس المحامد ريعها

وابيض من صفو الموارد نيلها

فالأرض مشرقة بنور عزيزها

يتلو ضحاها في الشروق أصيلها

والنيل منفجر العيون خلالها

تحليه من نعمى يديك سيولها

سعت الوفود إلى رحابك سعيها

للبيت شوقا والرجاء دليلها

وكأنما علمت بمقصدك القرى

فغدا يصفق زرعها ونخيلها

حسدت أهاليها عليك فلو مشت

لسعت إليك حزونها وسهولها

حتى إذا بلغت حماك أظلها

لك من ظلال المكرمات ظليلها

فرأيتها مثلا ببابك عاليا

تكبيرها متواصلا تهليلها

وتجلت الذات الموفقة التي

ملك القلوب جمالها وجميلها

يا مكرم الشعراء كم من آية

لي فيك ليس لشاعر تبديلها

ألبستني حلل القلوب فنلت شأ

وا في القوافي لم ينله فحولها

وإليكها عذراء لا يرجى لها

وصل ولا باع الشيوخ يطولها

تهتز أعطاف الملوك لمثلها

لو كان يوجد في القريض مثيلها

أما وقد رفعت إليك فإنها

جرت على هام السماك ذيولها

من تأمل في شعر شوقي في اقتباله لا يجده نازلا عن شعره بعد اكتهاله، بل تجد الشاعرية فيه أقوى وأظهر في مبدأ أمره وريعان شبابه، وتأمل في هذه القصيدة فهي من المرقص المطرب المؤنق المعجب، وما أنس لا أنس أني عندما قرأتها ترنح لها عطفي طربا وقلت: قد نال شوقي شأو القوافي وبذ الفحول. وقد مضى على هذه القصيدة أربع وأربعون سنة وما برحت أتذكر وقعها في نفسي كأن ذلك من حوادث أمس. ولا جرم أن الذكرى التي تمضي عليها هذه المدة الطويلة ولا تزال غضة طرية لا تكون إلا على أثر وقع عظيم في النفس.

وله مهنئا الخديوي بالوسام العثماني المرصع:

لمن الباب عاليا ومؤمل

يمثل الدهر في ثراه المقبل

ومنها:

ولمن راية هنالك وافى

ظلها النصر ثم لم يتحول

يمنع الدين أن يميل وتحمي

ركنه الشامخ الذرى أن يزلزل

ومنها:

يا مليكي عباس صدرك صدر

في المعالي وذا المرصع أول

هو مثل السماء صفوا ورحبا

وهي ذي أنجم العلا تتنزل

عرف المالكون قدرك لكن

ما رآه فيك الخليفة أفضل

فتهنأ علياء وافتك منه

يذكر النجم من حباها فيخجل

ووساما مرصعا ما رأينا

قبله جوهرا إلى البحر يحمل

وبمناسبة قوله: «جوهرا إلى البحر يحمل.» تذكرت بيتا انتقدته على الشاعر الأديب الشيخ خليل اليازجي، فقد كان نظم رواية اسمها «المروءة والوفاء» وجعلها تقدمة لأخيه الأستاذ الكبير اللغوي الشهير الشيخ إبراهيم اليازجي، ولكنه استهل التقدمة بهذا البيت:

لما رأيتك مثل بحر زاخر

ألقيت بين يديك بعض جواهري

وكنت أنا لذلك العهد في المدرسة لم أتجاوز الرابعة عشرة من العمر، ولكني كنت بدأت بالنظم وكانت جرائد بيروت تنشر من شعري، وهذا مصدق وهذا مكذب، ومن الناس من يقول: لا يمكن أن ناشئا في هذه السن الحديثة يفري هذا الفري، وما زالت الشبهة تعترض حتى كثر النظم وتواترت الأدلة فزالت الريبة وانقلعت الشبهة ولم يمض مدة ثلاث سنوات حتى كان لي ديوان اسمه «الباكورة» جعلته تقدمة للأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وكان إذ ذاك في بيروت وجعلت قصيدة التقدمة من ذلك البحر وتلك القافية.

وهذا نصها وكانت بعنوان:

إهداء الباكورة

لحضرة العالم العامل الفيلسوف الكامل واسطة عقد الحكماء ودرة تاج البلغاء.

الأستاذ الأكبر الشيخ محمد عبده المصري أيده الله تعالى:

لو هاج مثل الفضل خاطر شاعر

ألقيت بين يدي سواك بواكري

أو لو وجدت بمثل فضلك عادلا

كان الكمال إذا سلوتك عاذري

لكن سطوت على القريض بأسره

وغدوت أعذب منهل للخاطر

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٦٣