ومن غزل شوقي - عفا الله عنه:
عرضوا الأمان على الخواطر
واستعرضوا السمر الخواطر
فوقفت أحذرهم ويأ
بى القلب إلا أن يخاطر
يا قلب شأنك والهوى
هذي الغصون وأنت طائر
إن التي صادتك تر
عى بالقلوب لها النواظر
يا ثغرها أنا فيك كال
غواص أحلم بالجواهر
يا لحظها من أمها
أم من أبوها في الجآذر
يا خصرها لي منك في
ليل الهوى وهم مسامر
يا ردفها بالله كن
بعريض جاهك لي مؤازر
يا شعرها لا تسع في
هتكي فشأن الليل ساتر
يا قدها حتام تغدو
عادلا وتروح جائر
مولاي عبدك ما غوى
لكنها خطرات شاعر
عفوا فلست بأول
في ذا المقام ولا بآخر
ومن مرقص أشعار شوقي قصيدة في الخديوي منها:
نفدي المسافر والسفر
والأقربين من النفر
وركابهم لما مشى
وقطارهم لما صفر
ومسيرهم بين السلا
مة والكرامة والظفر
وقدومهم إسكندري
ة والإياب المنتظر
وطلوعهم والصبح في
ها بالحجول وبالغرر
قل للعباد هو الهلا
ل وللبلاد هو المطر
في ذمة الآيات رح
لته وفي حفظ السور
ملك أبوه محمد
لا غرو أن يقفو الأثر
من في السراة سواك تج
لوه المنازل كالقمر
وتحله في ثغرها
يوما، ويوما في البصر
ولقد أقول إذا بلغ
ت بلثم راحتك الوطر
يا روض هل لك في الشذى
يا بحر هل لك في الدرر
ومن قصائده فيه:
بصوتك حاججنا الممالك والعصرا
وقلنا فباتت مصر في مجدها مصرا
ومنها:
سندعو بني الدنيا إلى النيل دعوة
تلون منها الجاه والنائل الغمرا
وملكا كما تهوى الأحاديث عاليا
كأن الخديوي فيه قيصر أو كسرى
فتمرح في أيامه النفس حرة
تناولها قشبا وتلبسها خضرا (3) استطراد ورأي في المديح
ولقائل أن يقول: ما هذه إلا أمداح فارغة، ومنازع قديمة أشبه بمنازع الشعراء الذين كانوا ينتجعون الملوك طمعا في الجائزة، وقد كان الأليق أن يضع براعته؛ حيث يضع الناس عقيدتهم لا حيث يرجو هو منزلة سامية ونعمة هامية، فإن هذه محاولات شخصية لا تفيد وطنا ولا تؤيد قوما إلى غير ذلك مما طالما أخذوه على شوقي وعلى غيره من شعراء الملوك، ولقد قدمنا في هذا الباب ما فيه مقنع؛ وهو أن شعراءنا لم يفارقوا الطريقة القديمة التي معناها أن الشاعر يجود على الملك بنفائس أدبه ليجود عليه الملك بنفائس نشبه أو ليحله محل القرب والتقديم ويبلغ به آمالا ويرفه حالا. وسواء كانت هذه الطريقة قديمة أو حديثة فالشاعر في هذا الموطن لا يفترق عن غيره من البشر الذين كل منهم يرتاد لمعيشته وينتجع لسد مفاقره، وما زالت أعمال الناس أجمع شباكا تلقى في بحر الوجود ليصطاد بها الإنسان ما يقسم له حظه، وإن القول هو من جملة الشباك التي تنال بها الحظوظ، وقد قال أبو بكر الخوارزمي: لا صيد أعظم من إنسان ولا شبكة أصيد من لسان، وشتان بين من اقتنص وحشيا بحبالته وبين من اقتنص إنسيا بمقالته.
ولعمري لا غضاضة على من حاول مثل هذا الاقتناص إذا لم يشب ذلك بالسعاية والوشاية والإضرار بالناس وجعل الباطل حقا والحق باطلا، فما نهى الله الإنسان عن الكدح لأجل معيشته، ولكنه نهى عن إتيانه هذا الباب عن طريق الباطل وبالوسائل غير المشروعة.
وأيضا فإن الشاعر لا يزال يلتمس موضعا يشحذ فيه غرار قريحته ومجالا يركض فيه جواد ملكته، فلا يجد لذلك خيرا من خطاب الملوك الذين إن لم يستحق الواحد منهم كل هذه المدائح بمحاسن خلاله وجلائل أعماله، فقد استحقها بالمقام الذي يشغله على رأس الأمة، فتعظيم الملك هو تعظيم الأمة التي هو ملك عليها، وتعزيز المقام إنما يكون بتعزيز المقيم.
ولقد ذكرنا فيما تقدم أن استيلاء الأجانب على أكثر بلاد الإسلام واستئثارهم بالأمر والنهي والقطع والوصل وتركهم ملوك المسلمين عبارة عن أشباح ماثلة حمل كثيرا من مفكري الإسلام، إشفاقا على ملكهم وضنا بدولهم، أن يتقربوا من ملوكهم وأمرائهم الذين يرون فيهم رمز السلطان القديم وبقية الاستقلال السابق، وأن يشيدوا بذكرهم ويهتفوا بمبايعتهم في وجه الأجانب، وإنهم لما فاتهم الفعل فزعوا إلى القول يذكرون به أقوامهم، وكأنهم يقولون لهم إن هذا هو سلطانكم الشرعي الذي يجب أن تجتمعوا حوله وتستردوا به الحقوق المغصوبة، وأن الحق حق لا يذهب باعتداء الأجانب ولا بما يطرأ من الغير، فهم يحاولون إحياء فكرة الاستقلال في صدور الأمة وتلقينها أن ما هي عليه من الخنوع للأجنبي إنما هي حالة مؤقتة، وأن الأمر لا بد أن يعود إلى نصابه. وبالجملة فهذا ضرب من ضروب الدفاع عن الوطن، ولون من ألوان الاحتجاج على احتلال الغريب للبلاد. (4) من معارضات شوقي