تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طرقت فتاة الغرب والليل مقبل

طروق ابن آوى من حذار ورقبة

فقالت عجوز يا أخا الشوق إنها

تخاف أباها فأتها بعد هجعة

سيسأل عنها الساهرون على الحمى

ويسمع عنها نسوة في المدينة

فقلت هبيها مريما أنا يوسف

تعالى ضميري أن يهم بريبة

أبت لي الدنايا عزة عربية

ودين يرى الفحشاء شر ذريعة

فلا رحم الرحمن بعد كثير

محبا ولا صلى على غير عزة

وأيضا:

يود من الأرواح ما لا توده

ويفتك فيها مسرفا وهي جنده

نمير تواليه المحاسن وردا

وتنهل منه النفس لو راق ورده

مروع بإلمام النسيم مروع

بماض خفيف ينزع اللب حده

إذا استله في أنسه أو نفاره

فكل فؤاد في البرية غمده

وإن هز أعطافا فما مركز القنا

بأشقى من الأكباد فيهن قده

خذوه بنفسي إنه هو قاتلي

ولا تقتلوه إنني أنا عبده

ولا تسألوه ما ذنوبي واسألوا

قبول متابي قبل ذنب أعده

ولا تذكروني عنده بشفاعة

فإن شفيع الواجد الصب وجده

فإن يك فيما يزعم الناس قد سلا

فما بال قلبي عنده لا يرده

لجافي الذي لم يعرف السهد جفنه

ولم تدر تقليب المضاجع كبده

وقاطعني من كنت أرجو وفاءه

وأين أخو الود الذي دام وده (1) دفع اعتراض

ربما يعترض بعض القراء على سردي هذه الأماثيل من شعر شوقي من دون أن أعلق عليها ما يعن لي فيها، وما أجد من محل اعتراض أو من مكان إعجاب، والجواب أني لو شئت أن أردف كل بيت بما يبدو لي فيه لاستغرق ذلك أجلادا، والحال أننا من البدء ما قصدنا شرح شعر شوقي ولا التعليق عليه بما يبدو لنا في كل بيت منه، وإنما هي رسالة توخينا فيها تجديد ذكرى شاعر كبير وتسجيل علاقاتنا مع أخ قديم إنجازا لوعد قطعناه على نفسنا يوم فجعنا به، والإخاء إخاء في الحياة وبعد الممات، وعلى اللاحق أن يحفظ عهد السابق، وأراني قد أشفقت على عهد شوقي أن ينسى، وتخيلت روحه من وراء الغيب تنشدني:

سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي

ويحدث بعدي للخليل خليل

إذا ما انقضت عني من الدهر ليلة

فإن بكاء الباكيات قليل

ولما كانت ذكرى شاعر كبير لا بد من أن تسدى وتلحم بالشعر، فقد أوردنا ما أوردناه من الشواهد لا على سبيل شرح ولا على نية تفسير، ولكن إن خطرت في بالنا جملة أرسلناها عفوا أو عدت ملاحظة يروق الأدباء قيدها لم نجمجم بها، وسنتبع هذه الطريقة إلى الآخر.

رأي للمؤلف

فأما أسلوب التحليل الذي درج عليه بعض أدباء هذه الحقبة الأخيرة من هذا العصر يذهبون فيه مذاهب الإفرنج لا في المعنى فقط بل باللفظ تقريبا، ويورد الواحد منهم البيت فيأخذ بتشريحه من وجهه ومن قفاه ومن أسفله ومن أعلاه، ويشير إلى ما هنا من عاطفة جريئة، وما هناك من ابتسامة بريئة، ويستعمل في الوصف تلك الألفاظ الأوروبية التي ليس فيها من العربي إلا الحروف، بحيث إن كثيرا من العرب لا يفهمون منها قليلا ولا كثيرا فلسنا من هذا الأمر في قبيل ولا دبير. وإننا لا نحب أن نخلط العربي بالأعجمي ولا أن نخاطب العرب إلا بما يعقلون ويشعرون وما تسيغه أذواقهم، فإن لكل أمة أدبا ولكل قوم مشربا، وإن الخلط بين شعبان ورمضان إظهارا لسعة العلم وتزيدا بما ليس من مقتضى الواقع ليس بطريقتنا، وإننا نؤثر على ذلك أن نكتب مثل هذه الفصول التحليلية بلغة أوروبية رأسا كما يفعل المستشرقون الأوروبيون إذا أخذوا كتابا عربيا فشرعوا في تحليله، نعم نؤثر الكتابة بلغة أوروبية في هذا الموضوع على أن نباشر هذا التحليل بجمل أوروبية في حروف عربية يمشي فيها القارئ مرحلة وكأنه واقف مكانه لعدم ألفته بهذه الألفاظ المترجمة وبهذه الأعلام التي هي غريبة عن قومه.

فالذي يحمل نفسه على قراءة هذه التحليلات التي نحاول أن نجري فيها مجرى كتاب الأوروبيين تراه أبدا يشرب ولا يرتوي. ومن الناس من يظن عدم عقله لها ناشئا عن مجرد جهله والحقيقة ليست كذلك بل إنها من باب وضع الشيء في غير محله، لا بأس في الأحايين في أن يورد الكاتب في تحليله لبيت من شاعر عربي معنى قد توارد عليه مع شاعر أجنبي أو ملاحظة ظهر فيها شيء من الموافقات أو المفارقات بين أدبنا وأدبهم، فأما اتخاذ هذا الأسلوب دأبا وديدنا كلما أردنا أن نصف بيتا لطرفة بن العبد أو قصيدة للأعشى لزمنا أن نفحم فيها فيكتور هوغو وألفرد ديموسيه ولامارتين وغوته وشكسبير، وأن نكثر على قراء العرب من سرد أعلام لا يعلمون عنها شيئا تقريبا، فهذا تنطع بالفارغ وتحذلق غير سائغ والأولى بنا أن نراعي قبل كل شيء الذوق العربي، وأن نستشهد بأدباء العرب ونعلم أنه كما كان العربي يعاف طعام الأمم الأجنبية وشرابهم، فإنه لا يتسوغ بالسهولة أشعارهم وآدابهم، وليس الشعر والأدب ميكانيكيات ومواد، يستوي فيها العربي والعجمي، وقد فات الناس أن الشعر هو شيء والعلم شيء آخر، فلو فكروا مليا في هذا الأمر لأراحوا أنفسهم مما يعانونه هم ويعانيه قراؤهم معهم. (2) عود إلى غرر شوقي

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٥٩