تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأرسلت إليه من بيروت صورتي الفتوغرافية، وكتبت تحتها:

لئن كنت أحمد شوقي إلي

فما زلت أحمد شوقي إليك

رعى لك قلبي ودادا به

أضن على الكل إلا عليك

وكنت أبعث إليه من فرنسا بكثير من حلاوات الشام، وأتلذذ على البعد بأن يتذوقها ويتلذذ بها، وكنت كلما قرأت له قصيدة من تلك القصائد الرنانة - لأن شعره بدأ يرن من ذلك العهد - تمتلئ جوانحي بها مسرة ونواظري قرة، وبقي ذلك ديدني معه إلى أن مات، لا أتلو له شعرا إلا كان لي سبب سرور، وإلى هذا أشرت بقولي في القصيدة التي نظمتها له بمناسبة يوبيله سنة 1927:

أقرأ قصائده فتملأ مهجتي

جذلا يزيل شجونها وعناءها

وأظل مغتبطا بها فكأن لي

دون الأنام ثناءها وسناءها

ومن نعم الله علي أنه عافاني من داء الحسد الذي قد يبتلى به الكثيرون لا سيما من رجال الأدب الذين لا يزال الواحد منهم يتعقب ويترقب حتى يجد لأخيه غلطة يبرد غلته بتكرارها وتنبيه الأفكار إليها. وأنا لم أكن حاسدا لشوقي ولا كافيا إياه حسدي ونفاستي وغصتي برفيع مقامه فحسب، بل كنت مفتخرا به فرحا بنبوغه سعيدا بعبقريته أجده من حسنات هذا الزمان الكبرى، ولا تتاح لي الفرصة للإتيان بذكره أو للاستشهاد بشعره إلا توردتها، وقد كان يبدو لي من كتبه إلي أن ذلك يروقه لا سيما عندما كان في أول ميدانه ولم يكن أحرز ما أحرزه فيما بعد من الشهرة الطائرة والزعامة القاهرة، وقد كان يفضي بما يشعر به من افتتاني به إلى خليله وخليلي معا شاعر القطرين وثالث القمرين خليل بك المطران، فكان الخليل يقول له: إن شكيب لا يحسدك ولا يحسد أحدا؛ ولذلك تراه دائما مفتخرا بك.

ولما نشرت كتابي في تاريخ الأندلس تذييلا على رواية «آخر بني سراج» للفيكونت شاتوبريان ختمت ذلك الكتاب بفصل في حالة الشرق وما آل إليه، واستشهدت لشوقي بأبيات ذكرت بمناسبتها أنه شاعر العصر وهي:

وذات دلال من بني الروم حولها

إذا ما تبدت إخوة سبعة مرد

عنيت بها حتى التقينا فهزها

فتى عربي ملء بردته مجد

فقالت أطيب بعد عسر وشدة

فقلت نعم مسك الأحاديث والند

عطلنا من النعمى وطوق غيرنا

تداولت الأيام وانتقل العقد

وما ضاعت الدنيا علينا وحسنها

ولكن عن أغصانه رحل الورد

| معارضات

وكنت مع ذلك أعارضه في الأحايين؛ فإنه نظم مرة قصيدة لدى زيارته الأولى للآستانة وحلوله ضيفا كريما على السلطان عبد الحميد، فإنه قال يومئذ:

رضي المسلمون والإسلام

فرع عثمان دم فذاك الدوام

كيف يحصى على علاك ثناء

لك منك الثناء والإكرام

هل كلام العباد في الشمس إلا

أنها الشمس ليس فيها كلام

ومكان الإمام أعلى ولكن

بأحاديثه يتيه الأنام

إيه عبد الحميد جل زمان

أنت فيه خليفة وإمام

ما رأت مثل ذا الذي تبتني الأق

وام مجدا ولن يرى الأقوام

دولة شاد ركنها ألف عام

ومئات تعيدها أعوام

وأساس من عهد عثمان يبنى

في ثمان ومثلهن يقام

حكمة حال كل هذا التجلي

دونها أن تنالها الأفهام

يسأل الناس عندها الناس هل في الن

اس ذو المقلة التي لا تنام

أم من الناس بعد من قوله وح

ي كريم وفعله إلهام

صدق الخلق أنت هذا وهذا

يا عظيما ما جازه إعظام

شرف باذخ وملك كبير

ويمين بسط وأمر جسام

عمر أنت بيد أنك ظل

للبرايا وعصمة وسلام

ما تتوجت بالخلافة حتى

توج البائسون والأيتام

وسرى الخصب والبهاء ووافى ال

بشر والظل والجنى والغمام

وتلقى الهلال منك جبين

فيه حسن وبالعفاة غرام

فسلام عليهم وعليه

يوم حيتهم به الأيام

وبدا الملك ملك عثمان من عل

ياك في الذروة التي لا ترام

يهرع العصر والملوك إليه

وبنو العصر والولاة الفخام

هكذا الدهر حالة ثم ضد

ما لحال مع الزمان دوام

ولأنت الذي رعيته الأس

د ومسرى ظلالها الآجام

أمة الترك والعراق وأهلو

ە ولبنان والربى والخيام

عالم لم يكن لينظم لولا

أنك السلم وسطه والوئام

هذبته السيوف في الدهر واليو

م أتمت تهذيبه الأقلام

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٦