جمعتني باريز في أيام الصبا بالأمير شكيب أرسلان وأنا يومئذ في طلب العلم والأمير - حفظه الله - في التماس الشفاء، فانعقدت بيننا الألفة بلا كلفة، وكنت في أول عهدي بنظم القصائد الكبر، وكان الأمير يقرأ ما يرد عليه منها منشورا في صحف مصر، فتمنى أن تكون لي يوما مجموعة، ثم تمنى علي إذا ظهرت أن أسميها «الشوقيات»، ثم انقضت تلك المدة فكأنها حلم في الكرى أو خلسة المختلس، أو هي كما قلت:
صحبت شكيبا برهة لم يفز بها
سواي على أن الصحاب كثير
حرصت عليها آنة ثم آنة
كما ضن بالماس الكريم خبير
فلما تساقينا الوفاء وتم لي
وداد على كل الوداد أمير
تفرق جسمي في البلاد وجسمه
ولم يتفرق خاطر وضمير
هذا أصل التسمية سبقت به إشارة لا تخالف، ودفعت إليه طاعة واجبة، وأنا بين هاتين هدف للقال والقيل يظن بي نسبة الأثر الضئيل إلى الاسم القليل.
ثم قال:
كانت وفاة والدي من نحو ثلاث سنوات، فكان لي عجبا أن وجدت بين أوراقه شيئا كثيرا من مشتت منظومي ومنثوري ما نشر منهما وما لم ينشر، قد كتب بعضه بالحبر والبعض الآخر بالرصاص، والكل خط يد المرحوم، وقد لفه في ورقة كتبت عليها هذه العبارة: «هذا ما تيسر لي جمعه من أقوال ولدي أحمد وهو يطلب العلم في أوروبا؛ فكنت كأني أراه، وأني آمره أن يجمعه ثم ينشره للناس؛ لأنه لا يجد بعدي من يعتني بشئونه، وربما لم يوجد بعده من يعنى بالشعر والآداب.» فبينما أنا ذات يوم تعب بهذه الأوراق حيران لوصية الوالد كيف أجريها زارني صديقي مصطفى بك رفعت، فحدثته حديثي فسألني أن أعيره الأوراق أياما ثم يعيدها إلي ففعلت، ثم لم يمض شهر حتى بعث بها إلي وإذا هي قد نسخت بقلم مليح يؤيده ذوق صحيح؛ بحيث لم يبق إلا أن تدفع إلى المطابع، فأخذتها وبودي لو وفيت صديقي المشار إليه حقه من شكر الصنيع، وأنا أقول في نفسي: لئن صدق أبي في الأولى لقد ظلم في الثانية؛ فإن الخير لا يزال في الناس.
انتهى كلام شوقي، وأنا أزيد على ذلك أن والد شوقي - رحمهما الله - قد أفرط في التشاؤم؛ فإن نابغة مثل ولده لا يمكن أن يهمل وأن يعدم من يعتني بشئونه، وإن لم يكن للمرء من يحنو عليه حنو والده فكم قام الأدب مقام الوالد، وقد قيل:
إن فاتنا نسب يؤلف بيننا
أدب أقمناه مقام الوالد
وهذه الأبيات وتلك القصائد التي كان منها ما هو مكتوب بالحبر، وما هو مكتوب بالرصاص جاء وقت نسخها فيه ناسخ بخط مليح، ثم جاء وقت آخر يقال فيه: إن هذه القصائد التي كتبت بالحبر جديرة بأن تكتب بماء التبر. وهكذا رجال الدهر تنمو أقدارهم بطول الدهر.
| صداقة ومكاتبات
وأعود إلى ما قاله شوقي من أنه تفرق جسمي وجسمه ولم يتفرق الضمير والخاطر؛ فقد صدق في هذه الأبيات وأحسن الشعر ما حكى الحال؛ فقد كرعنا من الوفاء بنمير، وتفارقنا ولم يتفارق خاطر وضمير، وبقينا أكتب له ويكتب لي وأبثه ما في نفسي ويبثني ما في نفسه وأداعبه ويداعبني ونتناجى على بعد الديار، ونتراءى بالقلوب لا بالأبصار، وكنت لا أجد أعز علي ولا أغلى لدي منه مع كثرة الأصحاب ووفرة الأتراب، وهذا ما ترجمه هو بقوله:
صحبت شكيبا صحبة لم يفز بها
سواي على أن الصحاب كثير
فقد كنت أحبه لعذوبة أخلاقه وحسن معاشرته وأجله لعلو فكره وبداعة شعره، وأجمع فيه بين الحب والحرمة، وما أسعد الإنسان إذا كان يحب من يحترم ويحترم من يحب! وما أصدق قول المتنبي:
ضروب الناس عشاق ضروبا
فأعذرهم أشفهم حبيبا
وإني أتذكر من جملة ما كان بيننا من النكات كتابا بعث به إلي من فرنسا ضمنه عدة جمل متتابعة؛ قلد في كل واحدة منها أديبا من الأدباء المعدودين حاكيا أسلوبه الخاص، وليس الكتاب - مع الأسف - محفوظا عندي ولا غيره من تلك المكاتبات، ولكنني أتذكر بعضه، فهو يقول: لم يتم له ما أراد من إيصال النفيعة إلى أبناء الجلدة «بكرية»، وقد مرق من ذلك مروق السهم من الرمية «شكيبية»، ثم ذكر جملة ثالثة ما عدت أتذكرها، وقال عنها «صبرية»، وجملة رابعة لم أعد أتذكرها ولا أتذكر من حاكى بها؛ والحاصل أنه في الجملة الأولى يشير إلى أسلوب السيد توفيق البكري الأديب المشهور، وفي الجملة الثانية إلى أسلوب هذا العاجز، وفي الجملة الثالثة التي نسيتها إلى إسماعيل صبري باشا، وهلم جرا.