تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأن بيوت العاجزين قبور

تخوفني طول السفار وإنه

لتقبيل كف العامري سفير

دعيني أرد ماء المفاوز آجنا

إلى حيث ماء المكرمات نمير

فإن خطيرات المهالك ضمن

لراكبها أن الجزاء خطير

ومنها في وصف وداعه لزوجته وولده الصغير:

ولما تدانت للوداع وقد هفا

بصبري منها أنة وزفير

تناشدني عهد المودة والهوى

وفي المهد مبغوم النداء صغير

عيي بمرجوع الخطاب ولحظه

بموقع أهواء النفوس خبير

تبوأ ممنوع القلوب ومهدت

له أذرع محفوفة ونحور

فكل مفداة الترائب مرضع

وكل محياة المحاسن ظير

عصيت شفيع النفس فيه وقادني

رواح لتدآب السرى وبكور

وطار جناح البين بي وهفت بها

جوانح من ذعر الفراق تطير

لئن ودعت مني غيورا فإنني

على عزمتي من شجوها لغيور

ولو شاهدتني والهواجر تلتظي

علي ورقراق السراب يمور

أسلط حر الهاجرات إذا سطا

على حر وجهي والأصيل هجير

وأستنشق النكباء وهي لواقح

وأستوطئ الرمضاء وهي تفور

وللموت في عين الجبان تلون

وللذعر في سمع الجريء صفير

لبان لها أني من البين جازع

وأني على مض الخطوب صبور

أمير على غول التناتف ماله

إذا ريع إلا المشرفي وزير

ولو بصرت بي والسرى جل عزمتي

وجرسي لجنان الفلاة سمير

وأعتسف الموماة في غسق الدجى

وللأسد في غيل الغياض زئير

وقد حومت زهر النجوم كأنها

كواكب في خضر الحدائق حور

وقد خيلت طرق المجرة أنها

على مفرق الليل البهيم قتير

وثاقب عزمي والظلام مروع

وقد غض أجفان النجوم فتور

إذن أيقنت أن المنى طوع همتي

وأني بعطف العامري جدير

وأحسن ما في هذه القصيدة قوله في علو الهمة:

دعيني أرد ماء المفاوز آجنا

إلى حيث ماء المكرمات نمير

فإن خطيرات المهالك ضمن

لراكبها أن الجزاء خطير

وقوله في وصف الطفل وقد فارقه أبوه وهو في سريره، وكلنا قد عرف لوعة هذا الفراق:

عيي بمرجوع الخطاب ولحظه

بموقع أهواء النفوس خبير ... إلخ

ومما استولى فيه على الأمد وصفه مشاق السفر وقطع الفيافي في حر الهواجر وذلك عند قوله:

ولو شاهدتني والهواجر تلتظي

علي ورقراق السراب يمور ... إلخ.

فقصيدة ابن دراج القسطلي تصح أن تكون ضرة لقصيدة أبي نواس وإن كان في شعر ابن دراج شيء من الصنعة، وكان شعر أبي نواس أقرب إلى الطبيعة، وكل منهما في نظري ليست أبرع ولا آنق ولا ألعب بالألباب من قصيدة البارودي التي فيها من النسيب واللهو والشراب ووصف الحمائم إلى الفخر إلى الحماسة ما ليس وراءه لمتطلع.

ولمحمود سامي جولة أخرى في وصف الحمام في القصيدة التي بعث بها إلي من سيلان؛ إذ فيها يقول:

وترنمت فوق الأراك حمامة

تصف الهوى بلسان صب مولع

تدعو الهديل وما رأته وتلك من

شيم الحمائم بدعة لم تسمع

ريا المسالك حيث أمت صادفت

ما تشتهي من مجثم أو مرتع

فإذا علت سكنت مظلة أيكة

وإذا هوت وردت قرارة منبع

أملت علي قصيدة فجعلتها

لشكيب تحفة صادق لم يدع

فأنت ترى إذا أنعمت النظر في أبيات محمود سامي التي يصف بها الحمام، ثم كررت بنظرك على أبيات شوقي من عند قوله:

وأسعدت مشرفات من مكامنها

حمر المناقير في لباتها ذهب

إن شوقي أراد أن يعارض شيخ الشعراء في وقته، وإن كلا منهما قد بلغ شأو الإجادة ضمن دائرة ديباجته.

وهذه القصيدة البائية لشوقي هي من عيون قصائده، وهي التي فيها يقول:

والصدق أرفع ما اهتز الملوك له

وخير ما عود ابنا في الحياة أب

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

أليس هذا هو البيت الذي سار مسير القمر، وصار حديث السمر، وأصبح مثلا مضروبا يستشهد به كل يوم، ويدور على ألسن العوام فضلا عن الخواص، فلو لم يكن لشوقي غيره لأخلده، ومن أرق أغزال شوقي:

لي الله ما أغرى الغرام بمهجتي

وأهدي لأقمار المنازل مقلتي

بدور أتاني من مطالعها الهوى

فما أوقعتني فيه حتى استسرت

فبت يريني الوهم في الجو سلما

ومن لي في سكنى السماء بحيلتي

خليلي مالي بالديار موكلا

أروح لإتلافي وأغدو لفتنتي

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٥٨