تراح به الآمال بعد كلالها
ويصبو إليه ذو الحجا وهو أشيب
فبينا نرود الأرض بالعين إذ رأى
ربيئتنا سربا فقال ألا اركبوا
فقمنا إلى خيل كأن متونها
من الضمر خوط الضيمران المشذب
فلما انتهينا حيث أخبر أطلقت
بزاة وجالت في المقاود أكلب
فما كان إلا لفتة الجيد أن غلت
قدور وفار اللحم وانفض مأرب
وقلنا لساقينا أدرها فإنما
قصارى بني الأيام أن يتشعبوا
فقام إلى راقود خمر كأنه
إذا استقبلته العين أسود مغضب
يمج سلافا في إناء كأنه
إذا ما استقلته الأنامل كوكب
فلم نأل أن دارت بنا الأرض دورة
وحتى رأينا الأفق ينأى ويقرب
إلى أن تولى اليوم إلا أقله
وقد كادت الشمس المنيرة تغرب
فرحنا نجر الذيل تيها لمنزل
به لأخي اللذات واللهو ملعب
مسارح سكير ومربض فاتك
ومخدع أكواب به الخمر تسكب
فلما رآنا صاحب الدار أشرقت
أساريره زهوا وجاء يرحب
وقال: انزلوا يا بارك الله فيكمو
فعندي لكم ما تشتهون وأطيب
فما زال حتى استل منه سبيكة
من الخمر تطفو في الإناء وترسب
فيا حسن ذاك اليوم لو كان باقيا
ويا طيب هذا الليل لو دام طيب
لا جرم أن هذه هي الفصاحة التي تأخذ بمجامع اللب، وتفك أغلال القلب، والتي من أجلها قال مصطفى صادق الرافعي، إن شعر محمود سامي هو الذي بعث الشعر في الناس وأنجب لمصر مثل حافظ وشوقي.
فأما ما عارض به شوقي محمود سامي من وصف الحمام فهو يشير إلى رائية محمود سامي التي عارض بها أبا نواس عندما مدح الخصيب أمير مصر، قال أبو نواس:
أجارة بيتينا أبوك غيور
وميسور ما يرجى لديك عسير
فقال محمود سامي:
أبى الشوق إلا أن يحن ضمير
وكل مشوق بالحنين جدير
وهل يستطيع المرء كتمان لوعة
ينم عليها مدمع وزفير
خضعت لأحكام الهوى ولطالما
أبيت فلم يحكم علي أمير
أفل شباة الليث وهو مناجز
وأرهب لحظ الريم وهو غرير
ويجزع قلبي للصدور وإنني
لدى البأس إن طاش الكمي صبور
وما كل من خاف العيون يراعة
ولا كل من خاض الحتوف جسور
إلى أن يقول:
ويا رب حي قد صبحت بغارة
تكاد لها شم الجبال تمور
وقد كان أبو نواس خرج من بغداد قاصدا مصر ليمدح أبا نصر الخصيب بن عبد الحميد صاحب ديوان الخراج بها، فأنشده القصيدة وذكر المنازل التي مر عليها في طريقه، وهي من أزكى ما أثمر الشعر العربي ومن مشهور أبياتها:
تقول التي من بيتها خف محملي
عزيز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنى متطلب
بلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادر
جرت فجرى من جريهن غدير
ذريني أكثر حاسديك برحلة
إلى بلدة فيها الخصيب أمير
إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا
فأي فتى بعد الخصيب تزور
فما جازه جود ولا حل دونه
ولكن يصير الجود حيث يصير
فتى يشتري حسن الثناء بماله
ويعلم أن الدائرات تدور
ومنها:
فمن كان أمسى جاهلا بمقالتي
فإن أمير المؤمنين خبير
وما زلت توليه النصيحة يافعا
إلى أن بدا في العارضين قتير
إذا غاله أمر فإما كفيته
وإما عليه بالكفي تشير
ثم يقول:
زها بالخصيب السيف والرمح في الورى
وفي السلم يزهو منبر وسرير
جواد إذا الأيدي قبضن على الندى
ومن دون عورات النساء غيور
فإني جدير أن بلغتك للغنى
وأنت لما أملت منك جدير
فإن تولني منك الجميل فأهله
وإلا فإني عاذر وشكور
ويقال إن أبا نواس لما عاد إلى بغداد مدح الخليفة فقال له: وأي شيء تقول فينا وقد قلت في بعض نوابنا:
إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا
فأي فتى بعد الخصيب تزور
فأطرق قليلا ثم رفع رأسه وأنشد:
إذا نحن أثنينا عليك بصالح
فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإن جرت الألفاظ منا بمدحة
لغيرك إنسانا فأنت الذي تعنى
هكذا روى ابن خلكان في وفيات الأعيان وقد روى ابن خلكان أيضا معارضة لهذه القصيدة النواسية لأبي عمرو بن محمد بن دراج القسطلي الأندلسي كاتب المنصور بن أبي عامر وشاعره، وهذه المعارضة هي من غرر الشعر ومن أبدع أمثلة الأدب العربي، قال ابن دراج:
ألم تعلمي أن الثواء هو التوى