تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما كنت ممن تأسر الخمر لبه

ويملك سمعيه اليراع المثقب

ولكن أخو هم إذا ما ترجحت

به سورة نحو العلا راح يدأب

نفى النوم عن عينيه نفس أبية

لها بين أطراف الأسنة مطلب

بعيد مناط الهم فالغرب مشرق

إذ ما رمى عينيه والشرق مغرب

له غدوات يتبع الوحش ظلها

وتغدو على آثارها الطير تنعب

همامة نفس صغرت كل مأرب

فكلفت الأيام ما ليس يوهب

ومن تكن العلياء همة نفسه

فكل الذي يلقاه فيها محبب

إذا أنا لم أعط المكارم حقها

فلا عزني خال ولا ضمني أب

ولا حملت درعي كميت طمرة

ولا دار في كفي سنان مذرب

أسير على نهج يرى الناس غيره

لكل امرئ فيما يحاول مذهب

فلست لأمر لم يحن متوقعا

ولست على شيء مضى أتعتب

خلقت عيوفا لا أرى لابن حرة

لدي يدا أغضى لها حين يغضب

وإني إذا ما الشك أظلم ليله

وأمست به الأحلام حيرى تشعب

صدعت حفافي طرتيه بكوكب

من الرأي لا يخفى عليه المغيب

ونقع من الهيجاء خضت عبابه

ولا عاصم إلا الصفيح المشطب

تظل به حمر المنايا وسودها

حواسر في ألوانها تتقلب

وقد عارض محمود سامي بقصيدته هذه قصيدة الشريف الرضي التي أولها:

لغير العلا مني القلى والتجنب

ولولا العلا ما كنت في الحب أرغب

ومع جلالة قدر الشريف الرضي وعلو كعبه في الشعر وفحولة لغته التي ينزع بها عرق الهاشمية الكريم ومجدها الصميم، لا يقدر أحد أن يقول إن البارودي قصر عن الرضي في شيء بل ربما أناف عليه، ولمثل قصيدة البارودي هذه وأشباهها صرحت بأنه سيد الشعراء في وقته وقلت في رثائه:

كان الأوائل في الأنظار معجزة

حتى أتى فثأى من جد من قدما

ولا شك أن شوقي لا يرقى في الجزالة وعلو النفس إلى هذه السماء، ولكن له أسلوب آخر كما تقدم الكلام عليه طابعه السلاسة ومزيته الرقة، وانظر الآن إلى قوله:

أوشكت أتلف أقلامي وتتلفني

وما أنلت بني مصر الذي طلبوا

همو رأوا أن تظل القضب مغمدة

فلن تذيب سوى إغمادها القضب

رضيت لو أن نفسي بالرضى انتفعت

وكم غضبت فما أدناني الغضب

نالت منابر وادي النيل حصتها

مني ومن قبل نال اللهو والطرب

وملعب كمعاني الحلم لو صدقت

وكالأماني لولا أنها كذب

تدفق الدهر باللذات فيه فلا

عنها انصراف ولا من دونها حجب

وجاملت عصبة يحيا الوفاء بهم

فهم جمال الليالي أو هم الشهب

باتوا الفراقد لألاء وما سفروا

عليه والبان أعطافا وما شربوا

وأسعدت مشرفات من مكامنها

حمر المناقير في لباتها ذهب

مستأنسات قريرات بأخبية

من سندس الروض لم يمدد بها طنب

ما بين حام يهاب الجار ساحته

وناشئ يزدهيه الطوق والزغب

وغادة من بنات الأيك ساهية

ما تستفيق وأخرى همها اللعب

قريرة العين بالدنيا مروعة

بالأسر تضحك أحيانا وتنتحب

وتبرح الفرع نحو الفرع جاذبة

بالغصن فالفرع نحو الفرع منجذب

وهنا أراد شوقي أيضا أن يعارض محمود سامي فيما بقي من قصيدته البائية التي أوردنا ما أوردنا منها، وفي قصيدة رائية يتكلم بها عن الحمام.

وإليك ما قال محمود سامي في قصيدته البائية هذه مما تعلم منه أن شوقيا أراد أن يجري مجراه، ولكنه جرى ضمن أسلوبه وعلى شاكلة لغته، قال محمود سامي:

كذلك دأبي في المراس وإنني

لأمرح في غي التصابي وألعب

وفتيان لهو قد دعوت وللكرى

خباء بأهداب الجفون مطنب

ما مررت في حياتي بجملة أعلى في درجة البلاغة وأبدع في التصوير من قوله «وللكرى خباء بأهداب الجفون مطنب.» وكيف لا يكون شاعر الأولين والآخرين من يغزي هذا الغزي؟ ثم يقول:

إلى مربع يجري النسيم خلاله

بنشر الخزامى والندى يتصبب

فلم يمض أن جاءوا ملبين دعوتي

سراعا كما وافى على الماء ربرب

بخيل كآرام الصريم وراءها

ضواري سلوق عاطل وملبب

من اللاء لا يأكلن زادا سوى الذي

يضرسنه والصيد أشهى وأعذب

نرى كل محمر الحماليق فاغر

إلى الوحش لا يألو ولا يتنصب

يكاد يفوت البرق شدا إذا انبرت

له بنت ماء أو تعرض ثعلب

فملن إلى واد كأن تلاعه

من العصب موشي الحبائك مذهب

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٥٦