تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإني لأخجل من نفسي إذا رأيتني قصرت فيما يجب علي نحو شوقي بعد وفاته، وإني لأتخيل شوقي - وهو الذي يقول كما جاء في جريدة كوكب الشرق: إني أحد أصحابه الثلاثة الذين لا يعز أحدا عليهم - قد نظر إلي من برزخه وأطل علي من نافذة الغيب وحدق بي بعيونه تلك التي كان يقول فيها صديقنا الشيخ علي الليثي: «محاجر مسك ركبت فوق زئبق.» وقال لي: أهكذا ضمنتني يا أخي بعد وفاتي؟ وإنه في تلك الساعة قد ينشدني قول أبي العتاهية:

سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي

ويحدث بعدي للخليل خليل

إذا ما انقضت عني من الدهر ليلة

فإن بكاء الباكيات قليل

فأبدأ أجيبه قائلا: لو نسي عهدك الأولون والآخرون لما خفرت لك عهدا ولا مذقت لك ودا، وإنك في الغيب عندي لكما في المشهد، وأنت تعلم أنها صداقة أربعين سنة تساقينا كئوسها صفوا بدون قذى وتبادلنا رياحينها عفوا بدون أذى.

فإن أظمأ عهدك النسيان فلي مدامع ترويه، وإن شطت بشعرك النوى فإن الدهر كله يرويه، وإنه وإن بكاك الناس حبا بالأدب ورحمة للسان العرب، فإني لأبكيك بصفتين: صفة الأديب البر بلغته الغيور على صناعته، وصفة الأخ الضنين بأخوته الحريص على مروءته، فأنا في مقدمة من لك من الإخوان والأتراب الذين يبكون فضلك ويذكرون عهدك إلى أن يواروا في التراب.

نقلنا هذه الشواهد من الطبعة الأولى من الشوقيات وهي التي فيها المقدمة التي بقلم شوقي، ومن الطبعة الثانية التي مقدمتها، وأظن تفسيرها، بقلم الدكتور محمد حسين هيكل، وكما أهداني شوقي الطبعة الأولى بخط يده فقد أهداني الطبعة الثانية أيضا بخط يده وكتب عليها هذه العبارة:

إلى مولاي وصديقي الكريم الأمير شكيب أرسلان.

المخلص شوقي

30 أبريل سنة 1926

فسلاما يا أخي ومولاي ونور عيوني وتحية طيبة، والله أسأل أن يجعلنا أخوين في عالم الغيب كما كنا في عالم الشهادة، ولا يجعلها بيننا آخر معهد.

ومن رقيق شعر شوقي:

لا السر يطويه ولا الإغضاء

ليل عداد نجومه رقباء

داجى عباب اليم فوضى فلكه

ما للهموم وما لها إرساء

أغزالة الإشراق أنت من الدجى

ومن السهاد لو التفت شفاء

رفقا بجفن كلما أبكيته

سال العقيق به وقام الماء

ما مد أهدابا ليصطاد الكرى

إلا وطيفك في الكرى العنقاء

كان القرير وكنت زهو عروشه

فخلون منك ونابت الأقذاء

وخسرتهن لياليا نهل الصبا

مما أفضن وعلت الأهواء

وله من قصيدة إلى الجناب الخديوي:

وشمس تعالت أن تنار وأن ترى

وأن تدعي شرقا وأن تدعي غربا

وما جلت الأضواء عنها وإنما

بهرن بها من حيث كن لها حجبا

أغرن بها الدنيا هوى فتغيرت

وما زالت الدنيا لضراتها حربا

رمى بي القوافي من رمى السحر قبلها

بموسى وأعيى بابن مريم الطبا

فأسمعت عباس الندى كل آيه

من الشكر لم تترك لذي منطق ريبا

فتى الملك ما هذا السمو ببيته

تركت السهى حيران في بابه صبا

لك العرش والتاجان والمطرف الذي

تسير على التيجان تسحبه سحبا

وملك عريق في الوجود ودولة

أظل بها آباؤك العجم والعربا

ولما أتيت القيصرين ويوسفا

وأسكار والمختار في قومه الندبا

تخذت إليهم عالي الذكر مركبا

وجم الثنا زادا وشم العلى صحبا

وقيل ابن رب النيل فافترت القرى

وناجى الثرى نعليك يستوهب الخصبا

وطالت عروش المالكين تشرفا

فلو خيرت لاخترن أذيالك القشبا

ولكن عرشا تحته النيل جاريا

أحق بها والمهد أولى بمن ربى

ومن شعره في الخديوي:

صحوت واستدركتني شيمتي الأدب

وبت تذكرني اللذات والطرب

وما رشادي إلا لمع بارقة

يرام فيه ويقضي للعلا أرب

دعت فأسمع داعيها ولو سكتت

دعوت أسمعها والحر ينتدب

وهكذا أنا في همي وفي هممي

إن الرجال إذا ما حاولوا دأبوا

ولي همامة نفس حيث أجعلها

لا حيث تجعلها الأحداث والنوب

كل من يقرأ هذه الأبيات يلحظ أن شوقي أراد به معارضة محمود سامي في قصيدته البائية التي يقول فيها:

سواي بتحنان الأغاريد يطرب

وغيري باللذات يلهى ويعجب

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٥٥