تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن هنا يعلم القارئ أن السلطان وحيد الدين كان خالي الوفاض، وأنه لو كان خائنا لأمته كما يتشدق بعض الناس الذين يهرفون بما لا يعرفون، وكان خادما لأغراض إنجلترة كما يزعمون لكانت إنجلترة تقوم بنفقاته وتكفي أهله تلك الإهانة التي وقعت بإبقاء جثته رهينة مدة ثلاثة أسابيع على حسابات دكاكين سان ريمو.

ومما تحققته والحال تؤيده أنه لما برح السلطان وحيد الدين الآستانة، وكان الذي في يده من المال نزرا لا يكفيه أن يعيش سلطانا، بل لا يكفيه أن يعيش كسائر الناس مدة طويلة مكفيا قوت يومه، أشار عليه بعض أعوانه بقوله: إنك تقدر أن تأخذ بعض قطع من جواهر التاج المحفوظة في خزانة سراي طوبقبو، والتي فيها من النفائس ما يقوم بعدة ملايين من الجنيهات، وأنت معذور في ذلك حتى تتمكن من معيشتك في الغربة بالمقدار الضروري. فقال له السلطان وحيد الدين: «ابن بويله خرسزلق ياپمم.» أي لست أنا من يرتكب هذه السرقة، وهذه الرواية مؤيدة بواقع الحال؛ إذ لو شاء السلطان وقتئذ أن يأخذ شيئا من تلك النفائس ما كان أحد يقدر أن يمنعه، ولكنه أبى لنفسه أن يلوثها بفعلة كهذه؛ «والحر حر ولو مسه الضر.» وكل يذكر أن إحدى نسائه جاءت إلى مصر وبلغ منها الفقر مبلغا أن قذفت بنفسها في النيل لتخلص من هذه الحياة، وأن أناسا أدركوها فانتشلوها ووضعت في المستشفى.

ومن قصائد شوقي البديعة ما خاطب به أم الخديوي السابق التي كان يقال لها أم المحسنين بعد نهضتها تلك في حرب طرابلس الغرب:

ارفعي الستر وحيي بالجبين

وأرينا فلق الصبح المبين

وقفي الهودج فينا ساعة

نقتبس من نور أم المحسنين

واتركي فضل زماميه لنا

نتناوب نحن والروح الأمين

قد سقينا بمحياك الحيا

ولقينا حول يمناك اليمين

ثم يقول:

يا مثالا للعقيلات العلا

وكمالا لنساء العالمين

جارة الإسلام في محنته

علمي الجارات مما تعلمين

ذكريهن فروقا وصفي

طلعة الخيل عليها والسفين

ووليا للطواغيت بها

كان يدعى بأمير المؤمنين

يقول لها وهي راجعة من الآستانة إلى مصر لتتحدث عن حال الآستانة، وهنا تكلم في السلطان وحيد الدين بما كان وقتئذ شائعا ورائجا من أنه خان أمته ومالأ الإنجليز عليها، وما أشبه ذلك من الأقاويل التي كان يذيعها الكماليون وكانت تنشر في الخلق، وتجد هوى في نفوسهم لشدة ما عانى أهل مصر وأهل الشرق أجمع من ظلم الإنجليز، وما وقر في قلوب الناس من بغضهم.

وحقيقة الحال هي ما ذكرناه من كون السلطان محمد السادس إنما غلب عليه الخوف واعتقاد أنه إن خالف الإنجليز لم ينفعه نصير في العالم، وقد يخرجونه من الآستانة ويعيدونها إلى الأروام. ومن كان في ذلك الوقت يعتقد أن الإنجليز سيبرحون الآستانة أو أن الحركة الوطنية في الأناضول ستئول إلى نجاح؟ بل رجال تلك الحركة أنفسهم كانوا يقولون إنهم لا يريدون أن يسلموا تركيا بثمن بخس؛ أي إنهم لا يأملون الفوز لكنهم يريدون ألا تذهب بلادهم رخيصة، وهناك أمور نحب أن تبقى مطوية على غرها وأسماء أشخاص هم على رأس تركيا اليوم كانوا قطعوا الأمل من استقلالها إلى حد أنهم أجمعوا على وجوب جعلها تحت انتداب إحدى الدول العظام، لكنهم اختلفوا في الدولة التي يجب أن تكون منتدبة عليها؛ فبعضهم أشار بإنجلترة والآخرون أشاروا بأميركا، وتوجد وثائق خطية تثبت كون هؤلاء الذين يديرون تركيا اليوم لا غيرهم قد وصل بهم اليأس إلى أن أشاروا بجعل تركيا تحت انتداب إحدى الدول العظام، وهي تلك المملكة التي كانت بالأمس إحدى الدول السبع العظام اللواتي إليها الحل والعقد في العالم، فلا نعلم بعد هذا وجه التشدق والتنطق في حق السلطان وحيد الدين وتخصيصه باليأس دون سواه وقد كانوا بأجمعهم يائسين.

يرى القارئ أننا في التعليق على قصائد شوقي التاريخية لم نستنكف أن نعرج على التاريخ ولو بصورة مجملة أو بإشارات خفيفة؛ وذلك لأن الشعر التاريخي يحتاج أحيانا إلى تفسير يقويه ويجلي بداعة نكته. ومع هذا فلو شئنا أن نتوسع في هذه المواضع التي طرقها شوقي في شعره لاستهدف لنا غرض لا ينتهي وعرضت تفاصيل لا تنقضي، ونحن كل ما أردناه إنما هو الإتيان بالمختار والسائر على ألسن الناس من شعر شوقي، وما نراه نحن من شعره منيفا على غيره، فإن للناس أذواقا مختلفة وقد يرى الواحد ما لا يرى الآخر، وفي عرض هذه الشواهد قد تعن لنا ملاحظة فنبديها على غير اطراد، وبدون أن نتخذ ذلك قاعدة، وبدون أن نخوض في نحو ولغة وبيان وبديع وعروض إلا ما عرض اتفاقا، فليس ما علقناه على هذه الشواهد من شعر أمير الشعراء شرحا ولا تفسيرا؛ إذ لو توخينا ذلك لطال بنا الأمر وخرجنا عن الخطة التي ترسمناها في عملنا هذا الذي هو عبارة عن عهد بين صديقين وذمة بين أخوين.

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٥٤