تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قمنا على فرع السليف لننظرا

أرض تموج بها المناظر جمة

وعوالم نعم الكتاب لمن قرا

قد صغر البعد الوجود لنا فيا

لله ما أحلى الوجود مصغرا

ولشوقي قصيدة عن رومة فيها أبيات جديرة بأن تحفظ:

وجرت ها هنا أمور كبار

واصل الدهر بعدها جريانه

راح دين وجاء دين وولى

ملك قوم وحل ملك مكانه

والذي حصل المجدون إهرا

ق دماء خليقة بالصيانه

ليت شعري إلام يقتتل النا

س على ذي الدنية الفتانه

بلد كان للنصارى قتادا

صار ملك القسوس عرش الديانه

وشعوب يمحون آية عيسى

ثم يعلون في البرية شانه

ويهينون صاحب الروح ميتا

ويعزون بعده أكفانه

عالم قلب وأحلام خلق

تتبارى غباوة وفطانه

رومة الزهو في الشرائع والحك

مة في الحكم والهوى والمجانه

والتناهي فما تعدى عزيزا

فيك عز ولا مهينا مهانه

يصبح الناس فيك مولى وعبدا

ويرى عبدك الورى غلمانه

أين ملك في الشرق والغرب عال

تحسد الشمس في الضحى سلطانه

وله على قبر نابليون أبيات منها:

مرمر أضجع في مسنونه

حجر الأرض وضرغام العرين

هل درى المرمر ماذا تحته

من قوى نفس ومن خلق متين

ينمحي الميت ويبلى رمسه

ويغول الربع ما غال القطين

حصنوا ما شئتم موتاكم

هل وراء الموت من حصن حصين؟

ليس في قبر وإن نال السهى

ما يزيد الميت وزنا ويزين

فانزل التاريخ قبرا أو فنم

في الثرى غفلا كبعض الهامدين

وله في توت عنخ آمون قصيدة يقول فيها:

ملوك الدهر بالوادي أقاموا

على وادي الملوك محجبينا

فرب مصفد منهم وكانت

تساق له الملوك مصفدينا

تقيد في التراب بغير قيد

وحل على جوانبه رهينا

تعالى الله كان السحر فيهم

أليسوا للحجارة منطقينا

ويخاطب اللورد كارنارفون الذي اهتدى سنة 1922 إلى ما اهتدى إليه من الكنوز تحت مدفن رعمسيس السادس، فقال:

أبوتنا وأعظمهم تراث

نحاذر أن يئول لآخرينا

ونأبى أن يحل عليه ضيم

ويذهب نهبة للناهبينا

سكت فحام حولك كل ظن

ولو صرحت لم تثر الظنونا

يقول الناس في سر وجهر

وما لك حيلة في المرجفينا

أمن سرق الخليفة وهو حي

يعف عن الملوك مكفنينا؟!

يريد أن يقول إن الناس اتهموا اللورد الذي كشف الكنوز بأنه استأثر لنفسه بها، والحال أنها حق مصر ، وقد حامت الظنون حول هذه القصة، وقال الناس: أفالذين سرقوا الخليفة وهو حي لا يسرقون كنوز الملوك وهم أموات؟! إشارة إلى أن الإنجليز نقلوا الخليفة وحيد الدين من قصره في الآستانة إلى مالطة بعد أن انتهت حرب اليونان وتركيا واتسق الأمر لحكومة أنقرة، والسبب في فرار الخليفة حينئذ ما بلغه عن نية حكومة أنقرة محاكمته والحكم عليه بالقتل بحجة أنه خان الوطن.

وكان السلطان وحيد الدين في بدء احتلال الإنجليز للآستانة بعد الحرب العامة، قد اعتقد أن الإنجليز يقدرون على كل شيء فأطاعهم خوفا لا خيانة ولم يشأ أن يذهب إلى الأناضول وينضم إلى رجال الحركة الوطنية اعتقادا بأنه إن خرج من الآستانة لن يعود ملك آل عثمان إليها أبدا، وأن الإنجليز وغيرهم من الأجانب يريدون فرصة لإعادة القسطنطينية إلى الروم، وقد كانت في أوروبا - ولا سيما في إنجلترة - حركة شديدة لهذا الغرض فتضافرت الأسباب كلها لبقاء السلطان في الآستانة حتى لا تخرج هذه العاصمة المنقطعة النظير من يد الإسلام، ولما كان الإنجليز هم المحتلين وهم أصحاب الكلمة العليا بعد الحرب الكبرى لم يجد وحيد الدين بدا من مطاوعتهم، فانتهز أعداؤه الفرصة لاتهامه بالخيانة وبالخروج عن رأي أمته، ولما كان بين الأتراك حركة قديمة ترمي إلى ثل العرش العثماني وتأسيس حكومة جمهورية، وهذه الحركة لا يقدر أصحابها على التظاهر بها خوفا من الشعب التركي المتمسك بآل عثمان، فقد استغل هذه المرة رجال تلك الحركة طاعة وحيد الدين لإنجلترة الناشئة عن الخوف، وجعلوها من باب الخيانة ونشروها بين الشعب التركي وفي الآفاق، وبنوا عليها فيما بعد إسقاط سلطنة آل عثمان وإسقاط الخليفة والخلافة، مع أن مجلس أنقرة الكبير كان قد قرر أن الحركة التركية الاستقلالية إنما كان المقصد منها إنقاذ الخليفة الذي هو أسير بين أيدي الإنجليز، وقد اضطر السلطان الخليفة وحيد الدين أن يفر من الآستانة حتى لا يصلب على جسر الخليج، فقصد مالطة على باخرة إنكليزية ثم جاء منها إلى الحجاز، وبعد أن أقام أياما في مكة وأياما في الطائف ذهب إلى أوروبا وأقام في سان ريمو من إيطاليا، ولم يعش بعد سقوطه مدة طويلة، وعندما مات كان يعاني من جهة أمر معيشته مع حاشيته أزمة شديدة، وكانت عليه ديون لأصحاب الدكاكين الذين كانوا يبيعونه بالنسيئة ويصبرون عليه، فلما مات قاموا يطالبون بحساباتهم وطلبوا تأخير نقل الجثة من سان ريمو، حتى يكونوا استأدوا أموالهم فبقيت الجثة في سان ريمو أسبوعين أو ثلاثة رهنا، حتى يأتي من آل عثمان من يؤدي الحسابات التي كانت على السلطان المتوفى! وفي ذلك الوقت قال لي سمو الخديوي السابق: إن هذا عار على الإسلام وكان من الواجب أن يتبرع ذوو الحمية من المسلمين بالمبلغ الباقي على السلطان المرحوم حتى يتيسر نقل جثمانه إلى الشام لدفنه فيها كما أوصى بذلك. فقلت له: ومن أولى منك بهذا الأمر؟ فذكر لي محذورا سياسيا يمنعه من التظاهر بهذه القضية، وأشار بأن أكتب إلى سمو الأمير عمر طوسون الذي هو المفزع للإسلام عند كل حادثة، فكتبت إلى الأمير المشار إليه ولا شك أنه لم يكن ليتأخر عن الواجب، ولكن في أثناء ذلك جاء الخليفة عبد المجيد ابن عم السلطان وحيد الدين من بلدة نيس التي يقيم بها، وأدى المبلغ الباقي لأصحاب الحسابات، وهكذا تمكن من شحن جثة السلطان إلى دمشق؛ حيث دفنت في التكية السليمانية.

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٥٣