تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تبدو هنالك للوجود وليدة

تهنا بها الدنيا ويغتبط الثرى

وتضيء أثناء الفضاء بغرة

لاحت برأس الطود تاجا أزهرا

فسمت فكانت نصف طار ما بدا

حتى أناف فلاح طارا أكبرا

لا أعلم ماذا يريد بقوله «طار» إلا أن يكون يريد الإطار بالألف، فأطار الألف لضرورة الوزن وليس هذا بجائز؛ لأنه لم يرد إطار بمعنى طار في فصيح اللغة.

ثم يقول:

سالت به الآفاق لكن عسجدا

وتفشت الأشباح لكن جوهرا

واهتز فالدنيا به مهتزة

وأنار فانكشف الوجود منورا

حتى إذا بلغ السمو كماله

أذنت لداعي النقص تهوي القهقرى

فدنت لناظرها ودان عنانها

وتبدل المستعظم المستصغرا

واصفر أبيض كل شيء حولها

واحمر برقعها وكان الأصفرا

وسما إليها الطود يأخذها وقد

جعلت أعاليه شريطا أحمرا

مسته فاشتعلت بها جنباته

وبدت ذراه الشم تحمل مجمرا

فكأنما مدت به نيرانها

شركا لتصطاد النهار المدبرا

حرقته واحترقت به فتوليا

وأتى طلولهما الظلام فعسكرا

فشروقها الأمل الحبيب لمن رأى

وغروبها الأجل البغيض لمن درى

خطبان قاما بالفناء على الصفا

ما كان بينهما الصفاء ليعمرا

تتغير الأشياء مهما عاودا

والله عز وجل لن يتغيرا

ثم إنه يصف جبل الساليف الذي فوق جنيف فيقول:

أنهارنا تحت السليف وفوقه

ولدى جوانبه وما بين الذرى

مشيا وركابا وزحلقة على

عجل هنالك كهربائي السرا

هنا محل نظر؛ فإنه إذا أراد مشيا وركابا وزحلقة على أنها مصادر وبلا تشديد لفظة ركاب لم يستقم الوزن، وإذا كان يشدد ركاب بمعنى جمع راكب أو كانت غلطة مطبعية وأصلها ركبان فهي في قلق زائد في هذا المحل؛ لأنها تكون جمع اسم فاعل بين مصدرين المشي والزحلقة، وربما قاسها شوقي على كذب كذابا بالتشديد، ولكن ليس القياس في اللغة بالمذهب الراجح. والركاب بالتشديد هو الكابوس وليس هذا هو المراد هنا. وقد حاولت أن أجعلها مشيا وتركابا وزحلقة ... إلخ، ولكني لم أجد مساغا لتكثير المصدر من كل فعل إلا إذا أخذنا القياس، فأما متون اللغة فإنك تجد فيها أفعالا تأتي مصادرها على تفعال فيقولون مثلا سكب الماء والدمع سكبا وتسكابا وهتن الغيث هتنا وهتونا وتهتانا، وعليه قلت من قصيدة في هذه الأيام الأخيرة:

نار تأجج في قلبي فهل لكما

أن تطفئاها بتسكاب وتهتان

ولكن هذا غير مطرد وإن كان المتنبي قال:

وإن تكن محكمات الشكل تمنعني

ظهور جري فلي فيهن تصهال

فإنك لا تجد تصهال في كتب اللغة، وإنما قاسها المتنبي على غيرها، والقياس في اللغة مذهب ضعيف. وقد نظرت في كتاب سيبويه، فرأيته يقول: «هذا باب ما تكثر فيه المصدر من فعلت فتلحق الزوائد وتبنيه بناء آخر، كما أنك قلت في فعلت فعلت «بالتشديد» حين كثرت الفعل وذلك قولك في الهدر التهدار، وفي اللعب التلعاب، وفي الصفق التصفاق، وفي الرد الترداد، وفي الجولان التجوال والتقتال والتسيار، وليس من هذا مصدر فعلت «بالتشديد» ولكن لما أردت التكثير بنيت المصدر على هذا كما بنيت فعلت على فعلت - الثانية بالتشديد.» ا.ه. قلت ولا يستقاد من هذا أنه يجوز اطراد مصدر تفعال من كل الأفعال؛ لأنه لو كان ذلك كذلك لما كان جامعوا اللغة قالوا هتن يهتن هتونا وتهتانا، ولم يقولوا ركب يركب ركوبا وتركابا. ولنترك ركابا هذه على حالها ونكمل وصف شوقي لجبل السليف، فيقول:

في مركب مستأنس سالت به

قضب الحديد تعرجا وتحدرا

ينساب ما بين الصخور تمهلا

ويخف بين الهوتين تخطرا

ولو جاء شوقي جنيف كما دعوته يوم تلاقينا في السويس لرأى الآن شيئا أعجب وأغرب، وهو أنهم وضعوا من حذاء السليف إلى رأس الجبل مركبة سلكية كهربائية، يقال لها «تلفريك» يظنها الرائي طيارة طائرة في الجو، ويقطع فيها الراكب هذه المسافة من ذيل الجبل إلى رأسه في ثماني دقائق بسرعة برقية، وهذه المركبة من بعيد تلوح كالزنبيل معلقا في الهواء، ثم قال:

لما نزلنا عنه في أم الذرى

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٥٢