تركن المسلمين بلا سلام
ومن عجب قيامك في الليالي
وأنت الشمس في نظر الأنام
أحب خليفة الرحمن جهدي
وحب الله في حب الإمام
وأجعل عصره عنوان شعري
وحسن العقد يظهر في النظام
فإن تفت الموانع منه حظي
فليس بفائت حظ الكلام
وقد يرعى الغمام الأرض أذنا
وأين الأرض من سمع الغمام
وبعد أن قدم هذه التحية إلى الخليفة عاد فشفعها بتقدمة إلى الخديوي فقال:
إلى ابن محمد أهدي كتابي
وقد يهدى القليل إلى الكريم
وما أهدي له إلا فؤادي
وما بين الفؤاد من الصميم
وغرس طفولتي وجنى شبابي
وما أوعيت من وحي قديم
وما حاولت من عصر عظيم
من الآداب للوطن العظيم
وكان محمد أوفى وأرعى
لهذا الدر من راعي اليتيم
فكنه يا ابن توفيق فإني
فخيم الظن في الجاه الفخيم
وإن الشعر ريحان الموالي
وراحة كل ذي ذوق سليم
وما شرب الملوك ولا استعادوا
كهذي الكأس من هذا النديم
والبيت الأخير هو بيت القصيد، وفي قوله: وكان محمد أرعى لهذا الدر من راعي اليتيم، تورية لطيفة ولكنه استعمل لفظة «فخيم» ولا يوجد في العربي «فخيم»، وإنما هو «الفخم» وقد انسابت هذه اللفظة إلى كلام شوقي من كلام الدواوين ومن المعلوم أن لغة الدواوين في القرون الأخيرة كانت عليها مسحة تركية.
ومن شعره الذي شرق وغرب وذهب كل مذهب، ولم يبق أحد إلا رواه قوله:
خدعوها بقولهم حسناء
والغواني يغرهن الثناء
وهي أبيات معدودات أحسن فيها غاية الإحسان، ولا سيما عند قوله:
نظرة فابتسامة فسلام
فكلام فموعد فلقاء
ففراق يكون فيه دواء
أو فراق يكون منه الداء
فلو قال أحد إنه ما قيل في هذا العصر شعر أشعر من هذا في الغزل ما أبعد. وله أبيات لو لم أقرأها في ديوانه لظننت أنها من شعر أبي العتاهية الذي استولى على الأمد في نظم الزهد بالسهل الممتنع الذي يقرأ منه الإنسان ويعيد ولا يمل ولا تخلق طلاوته ولا تذهب حلاوته. قيل لأبي نواس وقد عظم أبا العتاهية كثيرا: لأنت أشعر منه. فأجاب: ما رأيته قط إلا ظننت أنه سماء وأنا أرض. وأبو العتاهية هذا نسيج وحده في الممتنع السهل والمهلهل الجزل لو نسبت إليه هذه الأبيات الخفيفة اللطيفة التالية لكانت به جديرة وهي:
كم لنا من عجيبة
طي هذي البسيطة
أمم قد تغيرت
وبلاد تولت
وبحار تحولت
من مكان لبقعة
تم نابت جزيرة
عندها عن جزيرة
أيها الأرض خبري
عن شباب البسيطة
دول قد تصرمت
دولة إثر دولة
وقرون تلاحقت
وعصور تقضت
ذهب الدهر كله
بين يوم وليلة
نعم على هذا الشعر مسحة عصرية جيولوجية لا توجد في شعر أبي العتاهية، ومن شعر شوقي في إنكار رفع الصوت أمام الجنائز:
أرى زمرا مشيعة
وأسمع أيما صوت
ولو عقلوا لما فعلوا
جلال الموت في الموت
ومن قوله في الرضى بما قسم الله:
أعاذلتي في اختيار الرضى
ولائمتي في اعتقاد القدر
تجيء النفوس الرضى مرة
إذا هي لم تنتفع بالضجر
ومن حكم شوقي السائرة وأبياته النادرة ما قاله في مداراة العدو، وما ذهب إليه من أن أشد الناس على العدو آخذهم له بالحيلة فهو يقول:
قد أتعب الأعداء من داراهمو
فأقم عدوك بالليان وأقعد
إن الأراقم لا يطاق لقاؤها
وتنال من خلف بأطراف اليد
ومن حكمه:
إن الوفاء سياج أخلاق الفتى
من حازه حاز المحامد أجمعا
كم من لبيب كان يرجى نفعه
لكن أبى عدم الوفا أن ينفعا
ومن لطائفه:
رمينا بإبليس من حالق
ولم نرم بالتاجر الفاسق
وكم في الحوانيت شيخ أحق
بقطع اليمين من السارق
ومن أقواله المأثورة:
جهول الناس للنصحاء قال
وعند أخي النهى لهمو ملال
عليك النصح إن صادفت أهلا
وليس عليك في النصح الجدال
وقد كرر هذا المعنى في مكان آخر، فقال:
لك نصحي وما عليك جدالي
آفة النصح أن يكون جدالا
وكرره ثالث مرة فقال:
آفة النصح أن يكون جدالا
وأذى النصح أن يكون جهارا
وقد ذهب السيد مصطفي صادق الرافعي إلى أن شوقي أخذ هذا من قول ابن الرومي:
وفي النصح خير من نصيح موادع
ولا خير فيه من نصيح مواثب