تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأما وقد حق الجزاء فلم أكن

لأنطق إلا بالثناء المنمنم

ويوم وصفت محمود سامي بقولي: إنه «أمير الشعراء» لم يكن شوقي قد طارت شهرته إلى أن صار يزاحمه على هذا الاسم، ولا كنت أنا أجمجم عن شوقي أني أعد محمود سامي أبا الشعراء في وقته، ولا كان قد جاء الدور الذي أصبح شوقي يرى نفسه فيه الجواد المبر على الجميع، والفذ الذي تأخذه النخوة على نظرائه، ولا يرى فيه أحدا من أكفائه، بل كنت، ما دام البارودي حيا، أول من بايعه بالإمامة، ولم يضع أحدا أمامه إلى أن مضى لسبيله، فكان من جملة ما رثيته به قولي:

كان الأوائل في الأنظار معجزة

حتى أتى فثأى من جد من قدما

لو كان في الزمن الماضي وعاصره

حكيم كندة لم يزعم بما زعما

لو كان أدرك عصرا قد تقدمه

عي حبيب عن الإنشاد معتصما

فانعوا لنا الشعر والآداب قاطبة

معه وقولوا لشوقي إنه يتما

ولكن من يدري فقد يكون شوقي غص برئاسة البارودي من ذلك العهد، وقد تكون الفترة التي ظهرت لي منه عندما جئت إلى مصر قاصدا طرابلس الغرب، وما رأيت من تدلله ولحظت من تسحبه أثرا من آثار المقالة التي أجبت فيها سليم سركيس عمن أراهم أشعر الشعراء في هذا العصر، وأسجلت فيها أن الأول فيهم هو محمود سامي والثاني هو شوقي والثالث هو حافظ إبراهيم، فجاءت مقالتي هذه قرعا على كبده رحمه الله. ولعل الأخ شاعر القطرين خليل مطران يدري من هذا الأمر ما لا أدريه أنا؛ لأنه قد كان بينه وبين شوقي من الخلطة والمودة والتبذل في الحديث ما لم يكن بين اثنين، وكيف كان الأمر فقد صدق مصطفى صادق الرافعي في قوله: إن شوقي أصبح بعد أن صار شاعر الأمير كالجواد العتيق ينافس حتى ظله. وقد صدق الرافعي أيضا في قوله: إن طريقة شوقي في الشعر لم تكن طريقة البارودي؛ لأن شوقي كان يضعف عن طريقة البارودي ولم تكن تتهيأ في أسبابه وخاصة في أول عهده. وهذا شيء لا يختلف فيه اثنان فلكل من هذين طريقة خاصة به، والغالب على البارودي هو علو النفس والجزالة، والغالب على شوقي هو الرقة والحكمة والتأثير في النفس.

| أماثيل من شعر شوقي

وقد حان الآن أن نذكر أماثيل مما يعجبنا من شعر شوقي، وقد سبق للأدباء حتى في حياته أن تكلموا في هذا الموضوع وأشاروا إلى المختار من شعره والأثير من قوله، واتفق الجميع على أن القصيدة التي أولها:

خدعوها بقولهم حسناء ... ... ... ...

هي من عيون قصائده التي رزق فيها من التوفيق ما لم يقع فيه جدال مع أنها مما نظمه في أول شبابه. وقد نشر الأديب الضليع أنطون بك الجميل رسالة بعد وفاة أمير الشعراء ضمنها ما رآه الأحسن في نظره، وهو لا يخرج عما كان يؤثره له الناس في حياته ويأثرونه دائما عنه. وسأنقل أنا أيضا من جملة الناس ما يعجبني من شعر شوقي غير ذاهب مذهب الإطالة في التحليل ولا مقتصر على مجرد السرد بدون تذييل؛ فأقول: ينقسم شعر شوقي إلى ثلاثة أقسام: أحدها الشعر الشخصي، وهو ما اصطلح الإفرنج على تسميته بالشعر المطرب

Lyrique

والشعر التاريخي أو شعر الوقائع، وهو ما يقولون له

épique

والشعر الروائي وهو القصص المنظوم شعرا، ولشوقي عدة روايات منظومة لم أكن اطلعت عليها إلا بعد وفاته. فالشعر الشخصي هو الجانب الأوفر من شعر شوقي، وإذا أراد الناقد أن يعتام جيده لا ينتهي منه إلا بديوان كبير؛ لأن شعر شوقي نسج واحد لا يكاد ينزل، ولو وضع كلامه في أتفه المواضيع، فالغثاثة وشوقي على طرفي نقيض.

من أحسن ما يعجبني من شعره الشخصي ما افتتح به ديوانه المطبوع أول مرة، وذلك تحت عنوان «إلى مولانا أمير المؤمنين عبد الحميد الثاني أيده الله»:

سلام الله لا أرضى سلامي

فكل تحية دون المقام

وعين من رسول الله ترعى

وتحرس حامل الأمر الجسام

وتنجد مقلة في الله يقظى

وتخلفها على أمم نيام

تقلب في ليال من خطوب

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٤٨