تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد طالما حدثت نفسي وعاقني

ترددها ما بين أقدم وأحجم

حلفت بما بين الحطيم وزمزم

وبالروضة الزهرا ألية مقسم

لألفيت عندي دوس مشتجر القنا

وخوضي في حوض من الدم مفعم

أقل بقلبي في المواقف هيبة

وأهون من ذاك المقام المعظم

ولكن كما كان الإقدام على ذاك المقام أشق من خوض المعارك واقتحام المهالك، كان الشوق أيضا إلى صاحب تلك القصائد التي كنت أتلوها كل يوم من بعد تلاوة كتاب الله وأترنم بها في نجواي، وأجعلها نقل أسماري وغبوق ليلي وصبوح نهاري من نوع البرحاء التي لا تدافع ومن نمط النزعات التي لا تنازع، فعدت إلى طريقة ثانية أبلغ بها مرامي وأروي أوامي؛ وهي أن أستشهد بشعر البارودي في مقالاتي التي كنت أنشرها إذ ذاك في جريدة الأهرام، فاستشهدت له إحدى المرار ببيتين بدون تصريح باسمه، وهما قوله:

فيا قلب صبرا إن أضر بك الهوى

فكل فراق أو تلاق له حد

فقد يشعب الإلفان أدناهما الهوى

ويلتئم الضدان أقصاهما الحقد

واستشهدت مرة أخرى ببيت له عن أهل كريت، وذلك مع التصريح باسمه، ومع نعته بلقب «أمير الشعراء»، وقد كانوا ثاروا على الدولة:

قوم أبى الشيطان إلا خسرهم

فتسللوا من طاعة السلطان

ولما كان من التجاذب بين الأرواح مهما تباعدت الأماكن، وتراخت المساكن ما لا يقل عن انتقال الأصوات بتموجات الهواء ونفوذ الكهرباء، كان حنيني هذا إلى معرفة محمود سامي قد لاقي مثله إلي، وقد كان يقرأ مقالاتي في الأهرام فيشعر لكاتبها بعاطفة لا يعرف لها سببا خاصا، وما زال كذلك حتى رآني أستشهد بشعره أولا وثانيا فعلم أن ما به من جهتي هو بي من جهته، وأن بين الروحين رسائل من غير كتب ووسائل بلا أسلاك، فعندها جاءني منه الأبيات التي يبتدئ فيها بقوله:

أشدت بذكري بادئا ومعقبا

وأمسكت لم أهمس ولم أتكلم

وما ذاك ضنا بالوداد على امرئ

حباني به لكن تهيبت مقدمي

ثم بعد أن أجبته على أبياته هذه بالقصيدة التي تقدمت جاءني منه هذا الكتاب الذي أنا أنقله الآن بحروفه:

عن كندى في 28 ذي القعدة سنة 1315:

تقبل يا شكيب ثناء حر

أمين الغيب محمود السلوك

سرت نزوات ودك في عروقي

مسير الكهرباءة في السلوك

سيدي الأمير

لولا حنين النفس، وهو علاقة الحب، لصبرت على المكاتبة هنيهة مخافة الإملال، ولكني راجعت النفس فأبت علي زاعمة أن الإغباب يكون في الزيارة لا في الكتابة، وبعد، فقد تلقيت اليوم ما تفضلتم به علي بيد ترعد فرحا وفؤاد يهتز مرحا، وما عساي أن أقول في نظم لو وصفته لقلت سحرا، ونثر لو وردت شرعته لكان بحرا، إنها وايم الله منة لا يقوم بها الشكر ولا يتدرج إلى معروفها النكر، كيف لا وقد أضاءت علي غيابة الوحشة، وسرت عني ضبابة الحسرة، فالحمد لله الذي صدق ظني، وحقق أملي، فإني منذ طالعت آثار قلمكم في جريدة الأهرام شعرت بميل في النفس إليكم ونزاع منها إلى التعارف بكم، ثم لم ألبث أن رأيت بها تعريضا خفيا سمعت منه هاتفا روحانيا يدعوني إليكم، فحدثت نفسي بمد أسلاك المراسلة لتبادل كهرباءة المودة معكم، ولكني راعيت الحال فأمسكت على مضض حتى سمعت هاتفا آخر يدعوني باسمي صراحا فلم أتمالك أن لبيت دعوته، فتم الأمل بتعارف الأرواح قبل تقارب الأشباح، هذا ما كنت أجده في نفسي أذكره لكم على سبيل الغرابة، وسأكتب بعد هذا إن شاء الله، فاقبلوا تحية فؤادي وخالص ودادي ودمتم.

الداعي محمود سامي

إن هذه الحالة التي وقعت بيني وبين محمود سامي هي تصداق الحديث: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.»

وبالجملة فبينما أنا كنت أروي قصائده ولا أروي ظمأ فؤادي إلا بالتعارف معه، كان هو يشعر بميل خاص إلى كاتب تلك المقالات في الأهرام قبل أن يعرفه بل بمجرد التجاذب الروحي والتعارف الغيبي وبسائق تلاؤم الأشكال الذي قرر الحكماء أنه منشأ الحب بين الخلق، ثم إنه رآني أستشهد بشعره ولكن بغير تصريح باسمه فكاد يجاذبني حبل المراسلة إلا أنه توقف قليلا ثم رآني أصرح باسمه وأقول إنه أمير الشعراء فلم يملك نفسه بعد ذلك عن البديئة بالخطاب والإسراف في الثناء فأرسل إلي بتلك الأبيات الميمية، وإلى هذا المعنى الأخير أشار بقوله:

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٤٧