تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لعمري الذي قد شق في شعره فمي

ومهما يكن من أعجم فبفضله

يرى ثقفيا في الورى كل أعجم

إذا أمطر الغيث الرياض بوابل

فأي يد للطائر المترنم

إذا ما تصبت بالعميد صباحة

بوجه فما فضل العميد المتيم

وهل ينكر الإحسان إلا لآمة

وينكر حسنا غير من طرفه عمي

وهل في شهود الشمس أدنى مزية

وقد جاء ضوء الشمس لم يتكتم

رويدك لا تكثر لدهرك تهمة

ولا تيأسن من أهله بالتوهم

فما زال من يدري الجميل ولم يكن

لتأخذه في الحق لومة لوم

وأنت الذي لو أنصف الدهر لم يكن

لغيرك في العلياء صدر التقدم

جمعت العلا من تلدها وطريفها

فجاءت كعقد في ثناك منظم

غدت خطتي إما يراع ومخذم

وإنك قطب في يراع ومخذم

ولم أر كفا مثل كفك أحسنت

إلى المجد إرعاف المداد مع الدم

جمعتها جمع القدير بكفه

إلى محتد سام إلى المجد ينتمي

ولو كان يرقى المرء ما يستحقه

إذن لبلغت النيرات بسلم

وأنت الذي يا ابن الكرام أعدتها

لأفصح من عهد النواسي ومسلم

وأنشرت ميت الشعر بعد مصيره

لأعظم نثرا من رفات وأعظم

وأشهد ما في الناس من متأخر

يدانيك فيه لا ولا متقدم

ولو شعراء الدهر تعرض جملة

بمنجدهم من كل حي ومتهم

لأبصرت شخص البحتري معك بحترا

وخلق أبي تمام غير متمم

لك الآبدات الآنسات التي نأت

وأنست عكاظ الشعر بل كل موسم

لكم أسهرت جفن الرواة وخالفت

حظوظك منها شرد غير نوم

شغفت بها طفلا فأروي بديعها

ولم أرو من وجدي بها نار مضرم

ولا عجب أني أحن صبابة

فيسري الهوى بالقول للمتكلم

أفي كل يوم فيك وجد كأنه

طوى جانحا مني على نار ميسم

أحمل ريح الهند كل تحية

فكم من صبا منها عليك مسلم

وقد طالما حدثت نفسي وعاقني

ترددها ما بين أقدم وأحجم

حلفت بما بين الحطيم وزمزم

وبالروضة الزهرا ألية مقسم

لألفيت عندي دوس مشتجر القنا

وخوضي في حوض من الدم مفعم

أقل بقلبي في المواقف هيبة

وأهون من ذاك المقام المعظم

وهب أنني باز قد انقض أشهب

فهل يطمع البازي بلقيان ضيغم

ولكن لي من عفو مولاي ساترا

فها أنذا منه به بت أحتمي

أمحمود سامي إن يك الدهر خائنا

وطال عليك الزجر طائر أشأم

فما زالت الأيام بؤسي وأنعما

وحظ الشقا بالمكث حظ التنعم

ولولا الصدى ما طاب ورد ولا حلا

لك الشهد إلا من مرارة علقم

عسى تعتب الأقدار والهم ينجلي

وينصاح صبح السعد في جنح مظلم

وأهديك في ذاك المقام تهانئا

حبيرة مسد في ثناك وملحم

فأنت ترى من كل حرف من حروف قصيدتي هذه حالتي النفسية التي تتلخص في هذه الجملة: إن البارودي هو إمامي في الشعر. ولا أنكر أنني قبل أن قرأت شعر البارودي بدلالة الشيخ محمد عبده كان سبق لي نظم غير قليل، وكان اطلع عليه الشيخ محمد عبده نفسه، فقال لي في اجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت، وقد عرفوه بي: أنت ستكون من أحسن الشعراء. وكذلك قال العلامة الشيخ إبراهيم الأحدب الذي كان الصدر المقدم في الأدب وقد قرأ لي أبياتا في إحدى الجرائد، وأنا بعد في المدرسة: إن هذا الولد سيكون شاعرا. إذن لم يكن نظمي للشعر موقوفا على حفظي لشعر البارودي ولكن هزني من شعر هذا الرجل ما لم يهزني شعر شاعر من أول وآخر، فكنت أرى منتهى السعادة في أن تكون لي معه مراسلة وأن أمت إليه بصلة، كما كنت أحن إلى مثل هذه العلاقة مع السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده بما أسمع عنهما وأقرأ لهما إلى أن ظفرت بذلك، وجميع الشبان المتأدبين كما لا يخفى لهم ولوع شديد، بل هوس بتقليد كبار علماء عصرهم، ووجد مبرح للاتصال بهم والأخذ عنهم، وهو ما قد عبرت عنه من جهة محمود سامي في قولي:

أفي كل يوم فيك وجد كأنه

طوى جانحا مني على نار ميسم

أحمل ريح الهند كل تحية

فكم من صبا منها عليك مسلم

وكنت كثيرا ما أحدث نفسي بنشدان وسيلة أتحكك بها بهذا الشاعر الكبير فأحصل منها على جواب منه فأكون سعيدا، ولكنني كنت أتهيب الإقدام وأخشى أن تتزلزل مني الأقدام فأعود فأنكص عن إجراء فكرتي هذه، وإلى هذا أشرت بقولي بعد أن بدأ هو بالمراسلة:

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٤٦