فالذين اهتدوا من ناشئة العصر إلى الوسيلة الأدبية للمرصفي وجدوا فيها ضالتهم التي طالما نشدوها فلم يجدوها إلا في شعر محمود سامي. رأوا نسبة معاصريه له نسبة البغاث إلى الباز، ولا أعلم هل كانت الوسيلة الأدبية هي التي بعثت الشعر في شوقي وحافظ أم كانت لهما وسائل غيرها؛ لأني لم أشاهد حافظا في حياتي وعندما كنت أذاكر شوقي وأنشده من شعر محمود سامي لم يقل لي شيئا يتعلق بكونه إنما نسج على طرازه أو إن شعر محمود سامي هو الذي أرهف قريحته. وقصارى ما لحظته من شوقي هو إجلال البارودي كشاعر، وما عرفت أن محمود سامي كان صيقل حافظ وشوقي في الشعر إلا من رواية الرافعي هذه، وهذا القول جدير بأن يكون صحيحا لأني أعرف ذلك من نفسي، فقد كان اطلاعنا على شعر محمود سامي بواسطة الأستاذ الإمام حجة الإسلام الشيخ محمد عبده يوم كان منفيا في بيروت، وكنا نلازمه استفادة من واسع علمه واستفاضة من عارض فضله، فهو الذي عرفنا بالوسيلة الأدبية للشيخ حسين المرصفي، وكنا أنا وأخي نسيب - رحمه الله - نصبو من صبانا إلى طريقة الأولين في الشعر ونؤثر شعر الجاهلية والمخضرمين والبطن الأول من المولدين على شعر أهل الأعصر الأخيرة مهما حلت نكاتهم وكثرت الأنواع البديعية في أشعارهم، ولم نكن نجهل علم البديع ولا كان يفوتنا شيء مما في خزانة ابن حجة ولكن ذلك كله كان عندنا لعبا ولهوا بالقياس إلى المعلقات السبع وشعر النابغة والأعشى، ثم شعر الأخطل وجرير والفرزدق وعمر بن أبي ربيعة ثم شعر أبي العتاهية وأبي نواس وبشار ومسلم بن الوليد ومروان بن أبي حفصة وأبي تمام والبحتري وطبقتهم. وكان المتنبي كله لا يروقنا إلا من جهة الأمثال والحكم، وكنا نرى شعره في الأحايين نازلا عما يجب أن يكون، فلما قرأنا شعر محمود سامي سكرنا بأدبه، ورقصنا على قصبه، وبعث لنا نشأة روحية لم نعهدها في أنفسنا من قبل أن عرفناه، وعلمنا أن في المعاصرين من قدر أن يضارع الأولين وأن يسامي بنفسه أنفاسهم.
وكنا من قبل محمود سامي نظن الأولين غاية لا تدرك، وأنهم إذا قرن بهم المتأخرون أو المعاصرون كان أولئك هم السماء وهؤلاء هم الأرض. وبقي فينا هذا الاعتقاد إلى أن ظفرنا بشعر محمود سامي وحفظنا جميع قصائده التي في الوسيلة الأدبية، فلم نكن لشدة إعجابنا بها نخرم منها بيتا واحدا، وكان حفظنا لها من أعمل عوامل الشعر فينا، بل كنا نشعر إذ ذاك بحاسة طرب تهتز لها جوارحنا كلما روينا شعر البارودي في أنفسنا أو أمام الناس. وكما قال كارليل عن شكسبير: «إننا نحن معاشر الإنجليز نرى شكسبير أثمن لنا من الهند.» فقد كنت أقول في نفسي إن محمود سامي هو بذاته مملكة عربية. وكان الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده بمكانه من رئاسة الدولة الفكرية يذهب إلى ما يقوي فينا هذه العقيدة؛ ولذلك كنت أنا أراني خريجا في الشعر لمحمود سامي البارودي، وإلى هذا أشرت في أول قصيدة أجبته بها يوم بدأ بمراسلتي من منفاه في سيلان، فقال لي:
أشدت بذكري بادئا ومعقبا
وأمسكت لم أهمس ولم أتكلم
وما ذاك ضنا بالوداد على امرئ
حباني به لكن تهيبت مقدمي
فأما وقد حق الجزاء فلم أكن
لأنطق إلا بالثناء المنمنم
وكيف أذود الشكر عن مستقره
وأنكر ضوء الشمس بعد توسم
وأنت الذي نوهت باسمي ورشتني
بقول سرى عني قناع التوهم
لك السبق دوني في الفضيلة فاشتمل
بحلتها فالفضل للمتقدم
ودونكها يا ابن الكرام حبيرة
من النظم سداها بمدح العلا فمي
فأجبته بقصيدة أقول له فيها:
لك الله من عان بشكر منمنم
لتقدير حق من علاك محتم
وشهم أبي النفس أضحى يرى يدا
تذكر فضل أو جميل لمنعم
رأى كرما مني تذكر قوله
فدل على أعلى خلال وأكرم
ولو كان يدري فاضل قدر نفسه
رأى ذكره فرضا على كل مسلم
أيعجب من تنويه مثلي بمثله