إليك مني تحيات برقتها
كسحر لفظك أو كالنفح في السحر
فاذهب عليك سلام الله من رجل
ماضي الحشاشة لكن خالد الأثر
فهذا ما كان بيني وبين الشيخ اليازجي من الوحشة بعد الولاء، ومن القطيعة بعد الاتصال؛ بسبب شوقي.
| عود إلى شوقي
وبعد أن قفل شوقي إلى مصر ورد عنه كلام في جريدة الشورى للكاتب الوطني المجاهد السيد محمد علي الطاهر، وذلك بمناسبة اجتماعنا في المقهى العربي في باريس.
فجاء شوقي وزار الأستاذ حافظ بك عوض صاحب جريدة كوكب الشرق، وألقى إليه كلاما جاء بعده في كوكب الشرق عدده المؤرخ 13 جمادى الأولى سنة 1345 وفق 18 نوفمبر سنة 1926 المقال الذي يلي:
أحمد شوقي بك بين الأمير والأستاذ
زارنا بالأمس سعادة أمير الشعراء شوقي بك، فانتهزنا هذه الفرصة لنرى رأيه فيما ورد عنه في «كوكب» أمس منقولا عن جريدة الشورى الغراء، وما كدنا نتم السؤال حتى تبسم ضاحكا، ثم قال: أنا شاكر لهم أن يضعوني بين بحاثتين، سعادة الأمير شكيب وسعادة الأستاذ زكي باشا، على أني لا يفوتني أن أتقبل مداعبات الأمير على العين والرأس، فأقل حق الصداقة علينا أن نفتح صدورنا لدعابة الصديق القديم، وأنا سعيد للفرصة التي مهدتموها لي لأشكر الأمير، فهو أول من دعاني لزيارة المطعم التونسي وقهوته مع حضرات أعضاء الوفد السوري المحترمين بباريس.
كان يومنا هناك أبهج من أن ينسى بفضل ما بذله أصحاب المطعم من همة جديرة بالثناء خصوصا الأديب الفاضل طاهر أفندي الصباغ، وهو راوية من رواتي كان ينشد شعري الحاضرين.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فقد علمت وأنا هناك من أعيان التونسيين أنه على أثر إشاعة كانت قد شاعت عن عزمي على زيارة تونس في الصيف الماضي، استعد إخواننا التونسيون للقائي استعدادا أعده فوق قدري، حتى بلغ من أحد سراتهم الأدباء أن هيأ لي منزلا فخما أثثه كله بأثاث جديد.
وأنا لا يسعني إلا أن أحيي هذه الروح الشرقية الكريمة، وأتمنى توثيق عراها بين أمم الشرق على الدوام.
وأخص بشكري الأمة التونسية مثال النهضة والرقي في شمال أفريقيا. •••
فبعد ذلك نشرت في «كوكب الشرق» في العدد المؤرخ في 4 جمادى الآخرة سنة 1345 وفق 9 ديسمبر سنة 1926 مقالة هي هذه:
مداعبة بين شوقي والمؤلف من دعابة إلى أخرى
حيث إن أمير الشعراء قد فتح صدره لدعابة صديقه القديم هذا، فلنترك الآن الأستاذ العلامة أحمد زكي باشا ولنعد إلى أميرنا أحمد شوقي بك نجاذبه بقية الحبل.
يقول شوقي بك إني أنا الذي بدأ بدعوته إلى المطعم التونسي وقهوته مع أعضاء الوفد السوري المحترمين ويشكر هذا الداعي.
وأنا أتباهى بهذه الدعوة وأشكر لمجيبيها حسن التلبية فقد كنت أول من دعا وكان هو أول من لبى. وكان يوما مشرقا سرورا وأنسا وكما قال أبهج من أن ينسى لا بل كان كيوم دارة جلجل. ويعلم الله أن ملاقاة أخي شوقي بغية تقصد ومنهل يورد، وإني لأحج إليها من بلد إلى بلد، فكيف وهي على طرف الثمام! وإني لأحن إلى لقاء هذا الأخ الحميم ولو في رمضان بعد العصر، فكيف على كسكس وشكشوكة وما شاكلها من الطعام!
ولست بأقل شكرا منه للأديب الفاضل السيد طاهر الصباغ الذي رأينا من حفاوته ونحافة ذوقه وسرعة لحظه وشدة حفظه، ما يعد نادرا في بابه. ويقول الأخ الأكبر - وشوقي بحسب تاريخ ولادته أكبر مني بسنة - إن طاهر أفندي، المومأ إليه، راوية من رواة شعره، وإنه كان ينشد شعره الحاضرين، وأقول كلنا رواة لشعر شوقي ننشده الحاضرين ونزهو به على الغابرين، ونقول: كم ترك الأولون للآخرين! ولعمري إن الدهر من رواة شعر شوقي، أفيكون الصباغ أصعب من الدهر؟!
قال أبو الطيب:
وما الدهر إلا من رواة قصائدي
إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا
ومن يا ترى يصح أن يخلف المتنبي اليوم؟ أولها أحمد وآخرها أحمد!