تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفلم يسألني سائل منذ عشرين سنة - تراني لا أزال متمسكا بالتواريخ - عن رأيي في أشعر شعراء العصر فأجبته - وجوابي منشور في مجلة سركيس وقد تكرر نشره في المؤيد - بأن المفلقين منهم كثيرون، وذكرت الكاظمي والرصافي والمطران وغيرهم، ولكني قلت إن البارودي وشوقي وحافظ إبراهيم هم الثلاثة السابقون في الحلبة، وما زلت أقول إنهم ثالوث الشعر الأقدس، وذلك كما كان أبو تمام والمتنبي وأبو عبادة البحتري في الماضي لات الشعر وعزاه ومناته، وهكذا لقبهم صاحب المثل السائر، وشبهت البارودي بحبيب؛ لما بينهما من التناسب في علو النفس وجزالة اللفظ وتدفع القول، حتى كأنه العارض المنصب وشبهت أحمد شوقي بأحمد بن الحسين الكندي؛ لما بينهما من التناسب في دقة المعاني وكثرة الحكم والجري مجرى الأمثال، ورأيت في حافظ كثيرا مما في البحتري من حسن الصنعة وعذوبة الألفاظ وطلاوة النسج وملكة الانسجام.

فلا عجب أن روى الدهر لشوقي كما روى للمتنبي، وكم من أبيات لشوقي يستشهد بها الكتاب بل العوام وهم لا يعلمون أصلها. ومن وجوه شبه أحمد شوقي بالمتنبي أن أبا الطيب استشهد الناس بشعره في عصره، ودارت أمثاله وأبياته اليتائم على عذبات الألسن ورءوس الأقلام شرقا وغربا وهو بعد في الحياة، وأن شوقي له شعر كثير لا يأخذه الإحصاء يستشهد به الخاص والعام، ويدور على الألسن والأقلام، وهو يعد في الحياة لا بل في الشباب إن جاز لنا أن نقول هذا.

إلا أني سمعت السيد طاهر الصباغ يروي لحافظ مثلما يروي لشوقي وربما أكثر فلا ينبغي أن أغفل ذلك؛ لأن التحري واجب في الرواية حتى عن الرواية.

ولكن قد بالغ شوقي في الاعتماد على ذاكرة صاحبنا طاهر الصباغ وفي الاعتقاد بإحاطته بشعره إلى أن ذهل عن إهدائه إياه ديوانه «الشوقيات» بعد أن وعده به وقال له: إني كتبت اسمك على النسخة. وهو عقد عجل شوقي فسخه لذهابه أن بين صدغي الصباغ من ديوانه نسخة.

وذهب شوقي إلى «فيشي» وقد ظن الصباغ أنه «فايش» في وعده بالكتاب، وبقيت أنا وحدي عرضة للعتاب كأنني أنا وشوقي متكافلان متضامنان ليسمح لنا «الوحيد» بالتكافل والتضامن، فقد صارتا من الاستعمالات الضرورية ولو لم يرد في كتب اللغة تضامن فلان وفلان، ولا ورد من الكفالة إلا قولهم فلان مكافل لفلان؛ «بمعنى معاهد» ولا غرو فبين الأدباء رحم وذمام، ولا سيما إذا كانوا إخوانا من قديم الزمان. فصرت أسمع غمزة بعد غمزة وكثرت الحروف التي فيها همزة، وخشيت أن يتذكر صاحبنا الآية الكريمة في الشعراء وهي التي فيها

يتبعهم الغاوون

إلى آخر ما وصفهم تعالى به مما ينتهي بالألف والنون.

وإن شوقي سيدهم وحامل لوائهم يوم القيامة، فكنت أؤكد للأديب الصباغ، وهو عربي قح مولده الحجاز، أن لا بد لذلك الوعد من الإنجاز وأن عليه أن ينتظر وصول شوقي بك إلى مصر، فالأمور بخواتيمها، والقصائد بقوافيها، والنسخة الموعود بها آتية لا ريب فيها.

كنا في العود الذي وعدنا به ولم نسمعه، فصرنا في النسخة التي انتظرها الصباغ ولم يرها، ولا شك عندي أن العود تعطل كما قال الأخ، وأن النسخة أهديت إلى أناس كانوا مستعجلين إلا أني لست بتارك حقي في هذا العود إن شاء الله في كرمة بن هانئ نفسها، فقد كان أمير الشعراء وعد بليلة طرب من أجلي بأثناء ذهابي إلى حرب طرابلس الغرب «15 عاما» والبدوي أخذ ثأره بعد أربعين سنة، وقال إنه بكر، أما السيد طاهر الصباغ فإنه بدوي أكثر مني، فإن لم يعجل إليه بالنسخة فلا تغني بعد ذلك المكتبة بأسرها.

أما ما رواه بعضهم من وجود الشرب والرقص في ذلك المقهى العربي بباريس فلا نصيب له من الصحة، بل مشرب الزائرين قهوة البن وهي التي قال فيها عبد الغني النابلسي - رضي الله عنه:

قهوة البن حلال

ما نهى الناهون عنها

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٣٦