ومن كان يرد في كلامه مثل «الصحافة» بهذا المعنى، ومثل: «العالم الأدبي» فأي حق له في تخطئة «الرأي العام» وادعاء تخليص الكلام من المواضعات الجديدة.
ثم همز بنا لأجل همزة «أشكل» الواردة في الأهرام بالضم من غلط مرتب الحروف ونسي أننا لسنا نظيره في المطبعة، وأن بيننا وبينه أبحرا فلا يتيسر لنا تصحيح المسودات بذاتنا كما يتهيأ له رد المرتب ما شاء من المرات. والظاهر أن الشيخ لا يسلم بغلط الطبع إلا إذا وقع في كلامه.
وأما تهديده إيانا بالإسراع في إيراد أغلاط «آخر بني سراج» فلا مانع من أن نكون وقعنا في الغلط في ابن سراج وفي غير ابن سراج؛ لأنه ليس أحد بمعصوم من الخطأ، ولكن سبحان الذي أوقعنا ولم يستثن غيرنا، وإن شاء أسرعنا إليه من قوله بمثل ما أوعد به من قولنا.
على أننا لا نفر من وجه الحق، ونحن نقر بكل ما يرد علينا منه، وكان الأولى بمن يضع نفسه في منازل أهل التحقيق أن يعترف بالخطأ، وقد أورد له النص والشاهد وأن يحتذي مثال السعد التفتازاني حينما ناظر السيد وأقر له وهو أحدث منه سنا، فإنه ما على الجواد ألا يكبو ولا هفوة العالم مسقطة له من رتبة فضله خصوصا إذا عرف خطأه وتذكر قول القائل:
أيذهب يوم واحد أن أسأته
بصالح أيامي وحسن بلائيا
بقي علينا شيء ليس من باب المناظرة في اللغة، ولكنه من باب الحقيقة؛ وهو أن صاحب البيان اتهمنا بالسعي في منع الجزء الأخير منه توهم أن فيه ردا علينا، ففضلا عن كوننا علمنا من مصر في نفس البريد الذي ورد فيه ذلك الجزء أن ليس فيه شيء علينا وأصبحنا في أمن من ذلك الخطر يعلم الله وأولياء الأمور أننا براء من هذه التهمة.
هذا وأما الشخصيات فلا شغل لنا بها، والله المسئول أن يبصرنا ذنوبنا، ورحم الله من أهدى إلينا عيوبنا. ا.ه. (5) المؤلف يرثي اليازجي
وكانت هذه المناقشة سببا لانقطاع ما بيننا من ود قديم موروث، ومات اليازجي - عفا الله عنه - وليست بيني وبينه صلة، وإنما رثيته عند وفاته رعيا لذمام أبيه الشيخ نصيف اليازجي ؛ شاعر سورية في وقته الذي لو اجتمع ما قاله في الأرسلانيين من الشعر لكان ديوانا مستقلا، وتذكرا لما كان بيني وبينه من ود سابق، وانحناء أمام حادث الموت الذي تذهب عنده الأحقاد، وقد قلت في رثائه:
قصار كل فتى مستكمل الخطر
أن ينحني لقضاء الله والقدر
وأن يقابل صرف الدهر كيف جرى
بالخلق في عبرات العين والعبر
وأن يرى غيره مع عينه شرعا
فليس بينهما فرق سوى الصور
فما أرى ناعيا حيا بمفرده
إلا نعى لو عقلنا سائر البشر
إلى أن أقول:
كفى بريب المنايا واعظا وجزى
رشدا لمن كان من دنيا على غرر
تخالف الناس في الأهواء حين حيوا
وجمع الموت منهم كل منتثر
وقد يلج ببعض كيد شانئه
ولو درى لصفا صفوا بلا كدر
وقد يحاول في أعدائه ظفرا
وأنه بين ناب الموت والظفر
كم وترت قوس ضغن كف ذي ترة
فأذهب الموت عزم الوتر والوتر
والدمع يغسل ما بالقلب من وضر
كما يزول غبار الأرض بالمطر
لو أنصف اليازجي دمع لكان له
كعلمه بحر دمع غير منحصر
أو لو درت نار إبراهيم مصرعه
لأصبحت من جوى لفاحة الشرر
أودى الردى حينما أودى بمهجته
بأكتب الوقت من بدو ومن حضر
بذي الضياء تكاد العمي تبصره
وذي البيان الذي يشفى من الحصر
من بعد ما خمدت ريح البيان غدت
له به دولة وضاحة الغرر
عبارة لا ترى في رصفها قلقا
كالعدل لم يشك من طول ولا قصر
لا تلتقي موضعا فيها له بدل
كأنما جاءت المعنى على قدر
بكت له اللغة الفصحى وحق له
بكاء كل كلام جاء من مضر
يا راحلا شكت الأقلام غربته
وليس بعدك منها غير منكسر
نهجت في بلغاء الأرض واردة
بالحق لولاك لم تسفر ولم تنر
إليك حقك لا ظلم ولا سرف
لا ينكر الشمس إلا فاقد البصر
وإن يؤاخذك نقاد ببادرة
فليس يرجم إلا مثمر الشجر
وقد يعاب الذي في البدر من كلف
وليس يسلب معنى الحسن في القمر