تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن الخفاجي لم يقتصر في تأييد تلك اللفظة على إيراد هذا الحديث وحده، بل قال: لعلهم أخذوها من قوله: عاله عيلة إذا قام برزقه، أو لعلها أطلقت على أسرة لكونهم سبب العيلة؛ أي الفقر؛ أي من باب تسمية الشيء بما يئول إليه، وفي توجيهه هذا ما لا يخفى من الوجاهة ولا يؤاخذني قارئ بأنني استعملت «العيلة» في كلامي بمعنى الأسرة؛ لأنها من الألفاظ التي وقع فيها المراء والتي أغناني الله عنها بأفصح منها.

فإن قيل: فلماذا تحريت الدفاع عن استعمالها مع أنها مما لا ترضاه لنفسك؟

أجبت: على المنتقد الذي ينصب نفسه «لإرشاد الخاصة» إذا شاء الانتقاد أن يرينا ورى زنده، ولا يعمد إلى ما قد نسج عليه العناكب من المآخذ التي صارت إلى صغار الطلبة فضلا عن خاصة الكتاب، فإظهار الطول فيما لا مزية فيه يحدو المرء إلى المقابلة بالمثل خصوصا في علم العربية الذي لا عبث فيه أكثر من التحجير في الواسع، والقطع بعدم جواز هذا وعدم ورود ذاك ظنا بأن اللغة قد انتهت عند الذي طالعناه.

وأما قول شوقي بك في التاريخ المصري: «إن الحقيقة معه لا يستقر بها خبر، فهي عين تارة وأثر، تموت بحجر وتحيا بحجر.» فقد كان قول البيان فيه هكذا بالحرف: «انظر ماذا أراد بقوله تموت بحجر وماذا يفهم بالحجر هنا؟ وهل هذا إلا ضرب من الرقى وشكل من أشكال الحروف؟»

فلما أوضحنا لك أن العبارة ليست ضربا من الرقى ولا شكلا مما ذكر ضرب عن الجملة صفحا وجاء يجادلنا في توجيه المعنى من جهة التاريخ المصري محاولا أن يوقعنا في التناقض حال كون كلامنا هناك نيرا.

وملخصه أن حقائق التاريخ المصري غير ثابتة لاختلاف ما ينكشف كل يوم من الآثار الحجرية التي قد يناقض منها تال سابقا، ثم يأتي ما يؤيد الذي كان قد نقض فهي لذلك بين موت وحياة مما لا يحتاج فهمه إلى إمعان.

هذا وقد بقيت هناك اعتراضات منها ما سكت البيان عنه علامة التسليم به مثل ما أوردناه على «المأمورية» وقوله: «أخذ النوم يطمئن بمقاعده من الأجفان.» ومنها ما لم يجاوبنا عليه بغير التهكم والازدراء، وهو سبيل سهل لمن أراد سلوكه لكنه ليس سبيل المناظرة، ولا يغني صاحبه من الحجة شيئا.

إلا أنه أخذ علينا قولنا: «يمكن لي» في محل «يمكنني» بحجة أن هذا الفعل لا يتعدى باللام.

وفي الجواب لا نقول له: إن اللام تأتي لمجرد التوكيد ولتقوية المعنى دون العامل، كما قالوا: «ملكا أجار لمسلم ومعاهد.» وربما نستغني عن أن نقول له إن اللام تأتي للاختصاص كما في قولهم: «شكرت له» في مكان «شكرته» وكما قرأت في أحد التواريخ الكبيرة «بايعوا له» والأصل «بايعوه».

ولو شئنا لقلنا له إنه لما كانت الأفعال التي تعلقها بمفعولها ما بين الوضوح والخفاء قد تتعدى باللام كما نص على ذلك الفخر الرازي وكان يمكن اعتبار فعل «أمكن» من هذا القبيل فلا حرج في مجيئه متعديا باللام.

ولكننا نقول: إن «يمكن لي» بمعنى «يتيسر لي» وذلك من باب تضمين الفعل معنى فعل مرادف له، فإن الأفعال قد يتضمن بعضها معنى بعض، ألا ترى أنه لما قال الكوفيون بتضمين الحروف بعضها معنى بعض أنكر عليهم البصريون ذلك، وقالوا إن التضمين للأفعال لا للحروف وأولوا شربت بماء البحر بمعنى رويت، «فأمكن لي» متضمنة معنى تيسر لي أو تهيأ لي، كما أن لفظة «ممكنة» في قول عنترة: ... ... ... ...

والشاة ممكنة لمن هو مرتمي

هي بمعنى متيسرة، وبعد هذا كله فهب أن الأولى أن يقال «يمكنني» فما على الشيخ إلا أن يقيسها ببعض تجاوزاته، كقوله مثلا: «زحف عليه» بدل «زحف إليه»، وكقوله: «ينيف عن كذا» محل «ينيف على كذا»، وكقوله: «كما أشار» والواجب «كما أشار إليه» وهلم جرا.

ولكن نحب أن يخبرنا الشيخ ما معنى «الصحافة» في قوله في تلك الجملة التي اعترض بها على ما يمكن لي «غلمان الصحافة»؟ فقد لاح لنا أنه يقصد بها الكتابة في الصحف أو صنعة تحرير الجرائد كما مشى على ذلك بعض المعاصرين.

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٣٣