تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومقتضاه أنه يلزم تفسير اللفظ بمعناه الحقيقي ونفى المجاز من اللغة العربية حال كون المجاز هو فصاحتها وبيانها، وعليه فصار يلزم من الآن فصاعدا إذا أردنا تفسير

فأذاقها الله لباس الجوع

أن نتخيل للجوع ثيابا ونتصور تلك الثياب في الأفواه وقد أنحت عليها الألسنة تلوكها.

وإذا قيل: حمي الوطيس، امتنع أن نفهم منه سوى مجرد حمي التنور، وإذا قيل: جناح الذل، تبادر إلى الذهن جناح ذو قوادم وخواف فيه من الريش طائل وشكير، وإذا قيل عن رجل: إنه بحر العلم، وجب أن تلتطم بين جوانحه الأمواج وتمر فوق رأسه السفن، وإذا قال البيان في نفس عبارته التي تهكمنا بها «يصطادون المحبوب»، بمعنى يجتذبونه تعين أن يكون المحبوب غزالا قد صيد بشرك نصب له، أو سهم شك فؤاده فأخذ وسلخ وشوي على النار كما يفعل بالصيد! وإلا فالمحبوب لا يصاد في الحقيقة، وهكذا نمضي في تفسير العربي كله على هذا النمط، وناهيك ما يتسع لدينا حينئذ من مجال الهزوء لا بأعلاق القلوب فقط بل بأكثر معاني هذه اللغة الشريفة، مع أن الكلام كما لا يخفى، على واسع علم المعترض، منه حقيقة ومجاز، والحقيقة هي اللفظ الدال على ما وضع له في الأصل، والمجاز هو ما أريد به غير المعنى الموضوع في الأصل وهو من جاز؛ أي انتقل كأنما يريدون به الانتقال من مقصد إلى آخر.

فإذا قيل: زيد أسد، حال كون زيد إنسانا والأسد حيوان كأنه قد فصل المجاز من الإنسانية إلى الأسدية لوصلة بينهما هي الشجاعة.

أو قيل: زيد بحر، فالوصلة هي الكرم وهذا هو أهم أبواب البيان، بل قال بعضهم: إنه علم البيان بأجمعه.

ومن العجب أن المسمى بالبيان اليوم يوجب تفسير كل لفظ بمعناه الأصلي متخيرا صرير البكر وذعر المحبوب من ذلك الصرير المنكر مما لا محل له؛ إذ الملابسة بين الحبال والقلوب في معنى الارتباط تدرك بأدنى تأمل.

وأما ترحمه على عشاق العرب الذين لم يسبقونا إلى هذا المعنى، فرحم الله من لم يتركوا معنى إلا وقد سبقونا إليه.

وهل لنا من عاشق أرق غزلا وأفصح لهجة من مجنون ليلى فهو الذي يقول:

فشب بنو ليلى وشب بنو ابنها

وأعلاق ليلى في فؤادي كما هيا

ومجنون ليلى هذا حجة وقد استشهدوا بكلامه في كتب النحو، وقال الشريف الرضي: وهو الذي يجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه.

ومن حذر لا أسأل الركب عنكم

وأعلاق وجدي باقيات كما هيا

وأظن أننا أتينا من هذه النصوص بما فيه مقنع ولم يبق جدال في كون «أمتنهم أعلاقا في القلوب» جائزة سائغة وأن الأعلاق تأتي بمعنى العلائق أيضا، إلا إذا كان المعترض أعلم بلغة مضر من مجنون ليلى والشريف الموسوي وحينئذ لا كلام لنا!

نصل إلى «الرأي العام» وقد أوردنا رأينا فيها ولا نزال نقول: إن قول الشيخ «أهواء النفوس» لا يؤدي حقيقة معناها وإنه حيث كان لا يوجد فيها شيء يخالف القواعد، فلا بأس بالتسامح فيها وتهوينا للأمر قسناها على الأمر العام، وقلنا: قالوا أمر عمم وفسروه بأنه عام.

فأجابنا بأننا خلطنا بين العمم والعام فإن نكن خلطنا فقد خلط لسان العرب، والأصح أن ابن منظور كان يعلم ماذا يقول وهو الذي فسر أمر عمم بقوله: أي عام تام، فلم نعلم ما وجه الخلط بينهما؟

ثم إنه هذه المرة لم يتعرض «للعائلة» وخصص نفيه بالعيلة، ورد قول الخفاجي بجوازها بحجة أن كل مستند الخفاجي هو الحديث «أتخافين العيلة وأنا وليهم.»

فقال: إن الذي فسره بالعيال هو ابن الأثير وحده، وإن قول ابن الأثير لا يسلم به حتى نعلم قرائن هذا الحديث. فقد كان صاحب البيان في غنى عن تخطئة مثل ابن الأثير في علم الحديث والرجل من أكابر المحدثين وكتابه «النهاية في غريب الحديث» أشهر من أن يذكر، وهب أن صاحب البيان قد طالع في حواشي الكتب بعض الأحاديث فهو علم لا بد فيه من الأسانيد ولا يصح تلقيه بلا رواية، فتعرض المعترض لجرح قول ابن الأثير في هذا المعنى واقع بغير محله كما لا يخفى.

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٣٢