تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صحب الداخل من إخوته

حدث خاض الغمار ابن ثمان

غلب الموج على قوته

فكأن الموج من جند الزمان

وإذا بالشط من شقوته

صائح صاح به: نلت الأمان

فانثنى منخدعا مستسلما

شاة اغترت بعهد الألس

خضب الجند به الأرض دما

وقلوب الجند كالصخر القسي

ثم أتى على قصة عبد الرحمن ونجاته وانسلاله إلى المغرب واختفائه، ثم إجازته إلى الأندلس وغلبته على تلك الأرض بعد أن لقي من الأهوال ما تشيب له ذوائب الأطفال، وكيف صبر وآل به الصبر الجميل إلى الملك، فاستخرج شوقي العبرة اللازمة، ولم يزل في الحكم والمواعظ الشاعر الذي لا يشق له غبار ولا يصطلى له بنار.

أيها اليائس مت قبل الممات

أو إذا شئت حياة فالرجا

لا يضق ذرعك عند الأزمات

إن هي اشتدت وأمل فرجا

ذلك الداخل لاقى مظلمات

لم يكن يأمل منها مخرجا

قد تولى عزه وانصرما

فمضى من غده لم ييأس

رام بالمغرب ملكا فرمى

أبعد الغمر وأقصى اليبس

نعم، كان عبد الرحمن بن معاوية من أفحل رجال الإسلام في عقله وتدبيره وصبره وشدة بأسه، ولكن كان وراءه عظمة اسم بني أمية، ذكر صاحب «أخبار مجموعة» في فتح الأندلس وذكر أمرائها، وهو أقدم تاريخ عربي لها، أنه لما وصلت رسل عبد الرحمن بن معاوية إلى يوسف بن عبد الرحمن الفهري أمير الأندلس يلتمس منه تمكينه من الإجازة إلى الأندلس والسكن بها، كان أجمع في البداية أن يسمح له بدخولها وانصرف الرسل وقد حصلوا على هذا الوعد، ثم ما ساروا أكثر من ساعة حتى سمعوا صائحا يصيح خلفهم ليتوقفوا، فإذا الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن الذي كان بمقام الوزير عند الأمير يوسف الفهري، يقول لهم: كنا قد أجبنا دعوة ابن معاوية، ولكننا روينا في هذا الأمر، فوجدنا أن عبد الرحمن بن معاوية هو من قوم لو بال أحدهم في هذه الجزيرة غرقنا نحن وأنتم في بوله، والله إن أول سيف يسل عليه هو سيفي. وهكذا انقطع رجاء جماعة عبد الرحمن من ربيعة ومضر في نصرته، وإنما استمالوا اليمانية لما كان في صدورهم من الأحقاد على المضرية.

قال في «أخبار مجموعة» نقلا عن رسل عبد الرحمن: فألفينا قوما وغرت صدورهم يتمنون شيئا يجدون به سبيلا إلى طلب ثأرهم، ورغبوا في عقد بني أمية بالأندلس، ثم ساق القصة إلى آخرها، وخلاصتها أن عبد الرحمن بن معاوية لم يتمكن من الأندلس إلا بواسطة عداوة اليمانية للمضرية الذين كانوا جماعة يوسف الفهري، وكان اسم بني أمية مليا بأن ينهض به مهما كان مهيض الجناح، على أن عبد الرحمن كان جامعا بين الاسم والفعل. (55) أبيات شوقي عن زحلة من لبنان

ولشوقي قصيدة يصف بها زحلة من لبنان، لا نحب أن نختم هذا الكتاب بغير ذكر بعض أبياتها الرشيقة:

شيعت أحلامي بقلب باك

ولمحت من طرق الملاح شباكي

ومنها:

بنت البقاع وأم بردونيها

طيبي كجلق واسكبي برداك

البردوني هو نهر زحلة.

ودمشق جنات النعيم وإنما

ألفيت سدة عدنهن رباك

قسما لو انتمت الجداول والربا

لتهلل الفردوس ثم نماك

مرآك مرآه وعينك عينه

لم يا زحيلة لا يكون أباك

ثم يقول:

يمشي إليك اللحظ في الديباج أو

في العاج من أي الشعاب أتاك

ضمت ذراعيها الطبيعة رقة

صنين والحرمون فاحتضناك

جبل صنين من أعلى قمم لبنان، وهو مطل على زحلة من الغرب، والحرمون هو جبل الشيخ الذي قنته تعلو عن البحر ثلاثة آلاف وخمسمائة متر، وهو يقابل زحلة من جهة الشرق، وبينهما سهل البقاع. ثم يقول:

شرفا عروس الأرز كل خريدة

تحت السماء من البلاد فداك

أدباؤك الزهر الشموس ولا أرى

أرضا تمخض بالشموس سواك (56) كلام شوقي عن استقلال سورية وذكرى شهدائها وأولهم يوسف العظمة

وله قصيدة عن استقلال سورية وذكرى شهدائها جاء فيها:

كأن الله إذ قسم المعالي

لأهل الواجب ادخر الكمالا

ترى جدا ولست ترى عليهم

ولوعا بالصغائر واشتغالا

وليسوا أرغد الأحياء عيشا

ولكن أنعم الأحياء بالا

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ١٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ١٤٣