تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ماذا على سلطانه من وقفة

للضارعين وعطفة للخشع

بل ما يضرك لو سمحت بجلوة

إن العروس كثيرة المتطلع

ليس الحجاب لمن يعز مناله

إن الحجاب لهين لم يمنع

يقول: أنت تحرصين على حجابك، والحال أن الحجاب أنت في غنى عنه؛ لأنه لا وصال إليك، وما كان الحجاب إلا لغير المنيع.

أنت التي اتخذ الجمال لعزه

من مظهر ولسره من موضع

وهو الصناع يصوغ كل دقيقة

وأدق منك بنانه لم تصنع

يحكم بأن الجمال صناع اليد، وأنه صنع بدائع كثيرة، ولكنه لم يصنع أدق وألطف من النفس.

لمستك راحته ومسك روحه

فأتى البديع على مثال المبدع

البديع يأتي بمعنى المبدع، ومنه قوله تعالى:

بديع السماوات والأرض ، وهو يأتي أيضا بمعنى المبدع بالفتح كما هو هنا.

الله في الأحبار من متهالك

نضو ومهتوك المسوح مصرع

من كل غاو في طوية راشد

عاصي الظواهر في سريرة طيع

يتوهجون ويطفئون كأنهم

سرج بمعترك الرياح الأربع

علموا فضاق بهم وشق طريقهم

والجاهلون على الطريق المهيع

يقول: إن الأحبار والحكماء هلكوا من العناء في البحث عن حقيقة النفس، ومنهم من غوى في سبيل الرشاد، وعصى وهو يريد الطاعة، وكانوا كلما آنسوا نارا خبت فهم أبدا بين وميض وخمود أشبه بمصابيح لعبت بها الرياح، وما كان العلم في هذا المقام إلا ليزيدهم خبالا، أما العامة الجهلاء فهم سائرون على سواء السبيل؛ لأنهم مؤمنون متوكلون لا يتفلسفون، وهنا يتذكر الإنسان قول الفخر الرازي: اللهم إيمانا كإيمان العجائز.

ثم يقول:

ذهب ابن سينا لم يفز بك ساعة

وتولت الحكماء لم تتمتع

هذا مقام كل عز دونه

شمس النهار بمثله لم تطمع

فمحمد لك والمسيح ترجلا

وترجلت شمس النهار ليوشع

ما بال أحمد عي عنك بيانه

بل ما لعيسى لم يقل أو يدع

يقال إن شوقي كان قد جعل هذا الشطر «بل ما لعيسى لم يقل ويدعي»، فلاحظ عليه بعضهم بأنه لو قال ذلك لكان المعنى: ما بال عيسى لا يشرح لنا حقيقة النفس وهو يدعي معرفة ذلك، فعاد شوقي وغير ما قاله أولا وقال: «بل ما لعيسى لم يقل أو يدع» أي لم يقل عن النفس شيئا ولا ادعى أنه قال عن النفس شيئا.

ولسان موسى انحل إلا عقدة

من جانبيك علاجها لم ينجع

لما حللت بآدم حل الحبا

ومشى على الملأ السجود الركع

أي لما نفخك الله في آدم استوى قائما ومشى يباري الملائكة.

وأرى النبوة في ذراك تكرمت

في يوسف وتكلمت في المرضع

وسقت قريش على لسان محمد

بالبابلي من البيان الممتع

ومشت بموسى في الظلام مشردا

وحدته في قلل الجبال اللمع

حتى إذا طويت ورثت خلالها

رفع الرحيق وسره لم يرفع

أي حتى إذا طويت وبقيت أنت خلالها، رفعت وبقي أثرها كما يبقى أثر الرحيق بعد رفعه. (46) النيل في شعر شوقي

ولشوقي يخاطب النيل، وجدير بالشاعر الذي أنجبه هذا الوادي أن يكون له منه خطاب شهير:

من أي عهد في القرى تتدفق

وبأي كف في المدائن تغدق

ومن السماء نزلت أم فجرت من

عليا الجنان جداولا تترقرق

وبأي عين أم بأية مزنة

أم أي طوفان تفيض وتفهق

وبأي نول أنت ناسج بردة

للضفتين جديدها لا يخلق

تسود ديباجا إذا فارقتها

فإذا حضرت اخضوضر الإستبرق

في كل آونة تبدل صبغة

عجبا وأنت الصابغ المتأنق

تسقي وتطعم لا إناؤك ضائق

بالواردين ولا خوانك ينفق

والماء تسكبه فيسبك عسجدا

والأرض تغرقها فيحيا المغرق

أخلقت راووق الدهور ولم تزل

بك حمأة كالمسك لا تتروق

حمراء في الأحواض إلا أنها

بيضاء في عنق الثرى تتألق

دين الأوائل فيك دين مروءة

لم لا يؤله من يقوت ويزرق

لو أن مخلوقا يؤله لم تكن

لسواك مرتبة الألوهة تخلق

جعلوا الهوى لك والوقار عبادة

إن العبادة خشية وتعلق

دانوا ببحر بالمكارم زاخر

عذب المشارع مده لا يلحق

متقيد بعهوده ووعوده

يجري على سنن الوفاء ويصدق

يتقبل الوادي الحياة كريمة

من راحتيك عميمة تتدفق

ومهما قيل في النيل فهو قليل، إلا أن شوقي جاء من وصف النيل بما يناسب جلاله وجماله، ولا أظن شاعرا قديما ولا حديثا وصف النيل بمثل هذه الإجادة، ثم إنه انتقل من وصف النيل إلى وصف الفراعنة وأهرامهم، فلا نعلم أحدا جاء بمثل فريه في هذا الباب، فقد قال:

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ١٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ١٣٦