لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
ثم يقول:
وهفا بالفؤاد في سلسبيل
ظمأ للسواد من عين شمس
شهد الله لم يغب عن جفوني
شخصه ساعة ولم يخل حسي
يصبح الفكر و«المسلة» نادي
ه و«بالسرحة الزكية» يمسي
وكأني أرى الجزيرة أيكا
نغمت طيره بأرخم جرس
هي بلقيس في الخمائل صرح
من عباب وصاحب غير نكس
حسبها أن تكون للنيل عرسا
قبلها لم يجن يوما بعرس
لبست بالأصيل حلة وشي
بين صنعاء في الثياب وقس
ينسب الوشي عادة إلى صنعاء، وهنا مكان آخر تنسب إليه الثياب وهي القسية، وهي ثياب من كتان مخلوط من حرير كانت تجلب من بلدة يقال لها القس بين العريش والفرما من أرض مصر، وهي على ساحل البحر الملح، قال في تاج العروس إنها خربت من زمان ولم يبق إلا آثارها، وهناك تل عظيم من رمل خارج في البحر الشامي. قال وقد يكسر القاف في قس وأهل مصر يقولونه بالفتح.
قدها النيل فاستحت فتوارت
منه بالجسر بين عري ولبس
وأرى النيل كالعقيق بوادي
ه وإن كان كوثر المتحسي
وادي العقيق هو في المدينة المنورة وكانت فيه أيام عمران المدينة القصور الباذخة والجنان الغناء.
ابن ماء السماء ذو الموكب الفخ
م الذي يحسر العيون ويخسي
أخذ جملة «يحسر العيون ويخسي» من كلام البحتري، ثم قال:
لا ترى في ركابه غير مثن
بجميل وشاكر فضل غرس
ورأى الجيزة الحزينة ثكلى
لم تفق بعد من مناحة رمس
يريد برمس الملك رمسيس، ولكن رخم الاسم نظير قولهم: «يا حار» أي يا حارث و«يا أحم» أي يا أحمد، والترخيم نوع من أنواع البديع وفي بديعية ابن حجة الحموي «كالأغصان حين تمي» أي تميس وتميل وتميد.
أكثرت ضجة السواقي عليه
وسؤال اليراع عنه بهمس
اليراع هنا هو القصب.
وقيام النخيل ضفرن شعرا
وتجردن غير طوق وسلس
سلست النخلة ذهب كربها محركة، وهو أصول السعف الغلاظ.
وكأن الأهرام ميزان فرعو
ن بيوم على الجبابر نحس
أو قناطيره تأنق فيها
ألف جاب وألف صاحب مكس
روعة في الضحى ملاعب جن
حين يغشى الدجى حماها ويغسي «ورهين الرمال» أفطس إلا
أنه صنع جنة غير فطس
يشير إلى أبي الهول.
تتجلى حقيقة الناس فيه
سبع الخلق في أسارير إنسي
لعب الدهر في ثراه صبيا
والليالي كواعبا غير عنس
ركبت صيد المقادير عيني
ه لنقد ومخلبيه لفرس
فأصابت به الممالك كسرى
وهرقلا والعبقري الفرنسي
العبقري الفرنسي هو نابليون بونابرت.
يا فؤادي لكل أمر قرار
فيه يبدو وينجلي بعد لبس
عقلت لجة الأمور عقولا
كانت الحوت طول سبح وغس
غرقت حيث لا يصاح بطاف
أو غريق ولا يصاخ لحس
فلك يكشف الشموس نهارا
ويسوم البدور ليلة وكس
ليلة الوكس هي ليلة دخول البدر في نجم منحوس.
ومواقيت للأمور إذا ما
بلغتها الأمور صارت لعكس
دول كالرجال مرتهنات
بقيام من الجدود وتعس
وليال من كل ذات سوار
لطمت كل رب روم وفرس
من هنا بدأ شوقي يسامت البحتري لأنه إنما يستولي على أمد الإجادة في الملاحم ثم قال:
سددت بالهلال قوسا وسلت
خنجرا ينفذان من كل ترس
حكمت في القرون «خوفو» و«دارا»
وعفت وائلا وألوت بعبس
أين مروان في المشارق عرش
أموي وفي المغارب كرسي
أي كان لبني أمية في الشام عرش عم الإسلام وفي قرطبة كرسي خص الأندلس.
سقمت شمسهم فرد عليها
نورها كل ثاقب الرأي نطس
ثم غابت وكل شمس سوى ها
تيك تبلى وتنطوي تحت رمس
وعظ البحتري إيوان كسرى
وشفتني القصور من عبد شمس
أي إن إيوان كسرى كان موعظة للبحتري وأما أنا فبلغت مني غاية الوعظ قصور بني أمية آل عبد شمس.
رب ليل سريت والبرق طرفي
وبساط طويت والريح عنسي
أنظم الشرق في الجزيرة بالغر
ب وأطوي البلاد حزنا لدهس
أي أطوي شرق الجزيرة الأندلسية وغربها وأجوب وعرها وسهلها.
في ديار من الخلائف درس
ومنار من الطوائف طمس
كان أمراء بني أمية في قرطبة لا يقدرون أن يدعوا الخلافة فلم يكن يقال لهم الخلفاء، بل كان هذا اللقب لبني العباس، بل كان يقال لأمراء قرطبة الخلائف كناية عن أنهم ذرية الخلفاء آبائهم الذين كانوا بالشام، وبقي ذلك إلى زمان الناصر عبد الرحمن الثالث فهو أول من تلقب بالخليفة من أمراء قرطبة.