تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

س وإخلاله بنية رمس

الجرماز بالكسر بناء عظيم كان عند أبيض المدائن وقد عفا أثره، جاء ذلك في تاج العروس. وقد أشرنا إلى هذا عمدا؛ لأنه لا يوجد في العربي لفظ الجرماز، وإنما يوجد الجرموز، قالوا عنه إنه الحوض المتخذ في قاع أو روضة ويكون مرتفع الأعضاد فيسيل منه الماء ثم يفرغ بعد ذلك. وقيل الجرموز البيت الصغير وقيل الجرموز الركية، فوجب التنبيه إلى أن الجرماز مكان معين.

لو تراه علمت أن الليالي

جعلت فيه مأتما بعد عرس

وهو ينبيك عن عجائب قوم

لا يشاب البيان فيهم بلبس

فإذا ما رأيت صورة أنطا

كية ارتعت بين روم وفرس

والمنايا مواثل وأنوشر

وان يزجي الصفوف تحت الدرفس

الدرفس كدمقس، وهو العلم الكبير وقد قالوا إن هذا البيت هو بيت هذه القصيدة.

في اخضرار من اللباس على أص

فر يختال في صبيغة ورس

وعراك الرجال بين يديه

في خفوت منهم وإغماض جرس

من مشيح يهوي بعامل رمح

ومليح من السنان بترس

تصف العين أنهم جد أحيا

ء لهم بينهم إشارة خرس

يفتلي فيهم ارتيابي حتى

تتقراهم يداي بلمس

قد سقاني ولم يصرد أبو الغو

ث على العسكرين شربة خلس

من مدام تقولها هي نجم

أضوأ الليل، أو مجاجة شمس

وتراها إذا أجدت سرورا

وارتياحا للشارب المتحسي

أفرغت في الزجاج من كل قلب

فهي محبوبة إلى كل نفس

وتوهمت أن كسرى أبروي

ز معاطي والبلهبذ أنسي

ما اهتديت إلى الآن إلى معنى البلهبذ الذي هو لفظ فارسي فيما يظهر.

حلم مطبق على الشك عيني

أم أمان غيرن ظني وحدسي

وكأن الإيوان من عجب الصن

عة جوب في جنب أرعن جلس

يتضنى من الكآبة أن يب

دو لعيني مصبح أو ممسي

مزعجا بالفراق عن أنس إلف

عز أو مرهقا بتطليق عرس

عكست حظه الليالي وبات ال

مشتري فيه وهو كوكب نحس

فهو يبدي تجلدا وعليه

كلكل من كلاكل الدهر مرسي

لم يعبه أن بز من بسط الدي

باج واستل من ستور الدمقس

مشمخر تعلو له شرفات

رفعت في رءوس رضوى وقدس

لابسات من البياض فما تب

صر منها إلا غلائل برس

البرس هو القطن، والغلائل جمع غلالة بالكسر وهو شعار يلبس تحت الثوب وتحت الدرع، ويجوز أن يكون «فلائل» جمع فليلة وهو الشعر المجتمع، ولكن الأول هو الأقرب.

ليس يدرى أصنع إنس لجن

سكنوه أم صنع جن لإنس

غير أني أراه يشهد أن لم

يك بانيه في الملوك بنكس

فكأني أرى المراتب والقو

م إذا ما بلغت آخر حسي

وكأن الوفود ضاحين حسرى

من وقوف خلف الزحام وخنس

وكأن القيان وسط المقاصي

ر يرجحن بين حو ولعس

وكأن اللقاء أول من أم

س ووشك الفراق أول أمس

وكأن الذي يريد اتباعا

طامع في لحوقهم صبح خمس

عمرت للسرور دهرا فصارت

للتعزي رباعهم والتأسي

فلها أن أعينها بدموع

موقفات على الصبابة حبس

موقفات حقها أن تكون موقوفات، ولكن البحتري تكلم هنا بلغة تميم، فكانوا يقولون أوقف بمعنى وقف، وأنكرها الأصمعي وقال الكلام وقف بغير ألف، وجاء عن بعضهم ما يمسك باليد يقال فيه أوقفته وما لا يمسك باليد يقال فيه وقفته.

ذاك عندي وليست الدار داري

باقتراب منها ولا الجنس جنسي

غير نعمى لأهلها عند أهلي

غرسوا من ذكائها خير غرس

أيدو ملكنا وشدوا قواه

بكماة تحت السنور حمس

وأعانوا على كتائب أريا

ط بطعن على النحور ودعس

وأراني من بعد أكلف بالأش

راف طرا من كل سنخ وأس

من تأمل في هذه القصيدة وما ختمها به البحتري لم يجد نظمها مجردا لإجلال الفن والتنويه بعظمة البنيان الذي لا تزال فخامته دليلا على عظمة الملوك الذين بنوه وبعد شأوهم في العمران، وإنما اتخذها أبو عبادة فرصة للتغني بمجد فارس التي كان ينتسب إليها كثيرون من أمراء الدولة العباسية، ومن هؤلاء من كان يسني العطاء للبحتري ويواصل إجازته، بحيث لم يكن يدع فرصة يتغنى بها بمجد فارس إلا ويتوردها، فكم جاء ذلك في شعره، فمنه قصيدة يمدح بها إبراهيم بن الحسن بن سهل، قال فيها: (41) إشادة أبي عبادة بمجد العجم

كسروي عليه منه جلال

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ١٢٨