تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا ومن قصائد شوقي في النسيب قوله:

مضناك جفاه مرقده

وبكاه ورحم عوده

حيران القلب معذبه

مقروح الجفن مسهده

أودى حرقا إلا رمقا

يبقيه عليك وتنفده

يستهوي الورق تأوهه

ويذيب الصخر تنهده

ويناجي النجم ويتعبه

ويقيم الليل ويقعده

ويعلم كل مطوفة

شجنا في الدوح تردده

كم مد لطيفك من شرك

وتأدب لا يتصيده

فعساك بغمض مسعفه

ولعل خيالك مسعده

الحسن حلفت بيوسفه

والسورة أنك مفرده

قد ود جمالك أو قبسا

حوراء الخلد وأمرده

وتمنت كل مقطعة

يدها لو تبعث تشهده

أي صواحبات امرأة العزيز اللواتي قطعن أيديهن لما رأين يوسف.

جحدت عيناك زكي دمي

أكذلك خدك يجحده

قد عز شهودي إذ رمتا

فأشرت لخدك أشهده

وهممت بجيدك أشركه

فأبى واستكبر أصيده

وهززت قوامك أعطفه

فنبا وتمنع أملده

سبب لرضاك أمهده

ما بال الخصر يعقده

بيني في الحب وبينك ما

لا يقدر واش يفسده

ما بال العاذل يفتح لي

باب السلوان وأوصده

ويقول تكاد تجن به

فأقول وأوشك أعبده

مولاي وروحي في يده

قد ضيعها سلمت يده

ناقوس القلب يدق له

وحنايا الأضلع معبده

قسما بثنايا لؤلؤها

قسم الياقوت منضده

ورضاب يوعد كوثره

مقتول العشق ومشهده

وبخال كاد يحج له

لو كان يقبل أسوده

وقوام يروي الغصن له

نسبا والرمح يفنده

وبخصر أوهن من جلدي

وعوادي الهجر تبدده

ما خنت هواك ولا خطرت

سلوى بالقلب تبرده

وقد عارضها أخي نسيب بهذه القصيدة التي أحببت أن أعرضها للقراء في جانب قصيدة شوقي، وهي هذه:

مضناك عصاه تجلده

هل أنت بعطفك منجده

منهوك الجسم به كمد

إحناء الأضلع موقده

ترجيع الورق يهيجه

ووميض البرق يسهده

وله نفس لو ما خفقت

أحشاه لعز تردده

إن تهجره فعزاؤك في

دنف يتهامس عوده

لا يسري طيفك في غلس

قد زود نورك فرقده

ما حال فؤادي في شغف

يستبكي الصخر توجده

إذ يغدو الصدغ يصدعه

ويروح الخد يخدده

ويكر الطرف فيأسره

فيقوم الفرع يصفده

والصد له جرح جلل

لولا الآمال تكمده

أفدي مولاي فكل فتى

يشقيه الحب ويسعده

كم فزت بمرأى طلعته

فوزا يتقطع حسده

وسكرت براح شمائله

سكرا ما فاه معربده

غصن أغرتني رقته

أترى شكواي تؤوده

والشعر صداح في وله

يهوى الأغصان مغرده

أقول: ما يخالج نفسي عند قراءة هذا الشعر سواء المعارض أو المعارض، وهو أنه ليس فيه كبير أمر، وأن هناك صنعة تعمدها الشاعران اللذان قيدهما هذا الوزن، فأصبحا له أسيرين يسخران له المعاني ويجران القوافي. ولا جرم أن الوزن والقافية طالما حكما على الشاعر وسلباه حرية التصرف في إبراز معانيه كيف شاء؛ ولهذا كان أطول الشعراء باعا وأعلاهم درجة من تراه حرا وهو مقيد، ولكن بحرا كهذا الذي نظما عليه، وإن كان مرقصا يعجب القارئ بمقاطعه ويلذ بخببه، ترى الشاعر فيه راسفا في قيد ثقيل يمنعه أن يجري جريه المعتاد. (36) قصيدة شوقي في شكسبير

ولشوقي قصيدة في شكسبير بالغ بها في مدح عظمة الإنكليز، فقال:

أعلى الممالك ما كرسيه الماء

وما دعامته بالحق شماء

يا جيرة المنش حلاكم أبوتكم

ما لم يطوق به الأبناء آباء

ملك يطاول ملك الشمس عزته

في الغرب باذخة في الشرق قعساء

تأوي الحقيقة منه والحقوق إلى

ركن بناه من الأخلاق بناء

أعلاه بالنظر العالي ونطقه

بحائط الرأي أشياخ أجلاء

وحاطه بالقنا فتيان مملكة

في السلم زهر ربى في الروع أرزاء

يستصرخون ويرجى فضل نجدتهم

كأنهم عرب في الدهر عرباء

ودولة لا يراها الظن من سعة

ولا وراء مداها فيه علياء

عصماء لا سبب الرحمن مطرح

فيها ولا رحم الإنسان قطعاء

تلك الجزائر كانت تحتهم ركنا

وراءهن لباغي الصيد عنقاء

وكان ودهم الصافي ونصرتهم

للمسلمين وراعيهم كما شاءوا

لا نزاع في عظمة الإنكليز المادية، وفي كثير من عظمتهم المعنوية، وإن كانت هذه قد غدت تتضاءل في نظر الناس شيئا فشيئا، وصار ثوبها يشف عما تحته. وعلى كل حال فقد أصاب شوقي بتقييد ود الإنكليز الصافي للمسلمين بفعل «كان»؛ إذ إننا إذا نظرنا إلى العصر الأخير لا نجد لهذا الود أثرا يستحق أن ينوه به، ثم قال في شكسبير:

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ١٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ١٢٤