أخذ المدائن والقرى بخناقها
جيش من المتحالفين لهام
غطت به الأرض الفضاء وجوهها
وكست مناكبها به الآكام
تمشي المناكر بين أيدي خيله
أنى مشى والبغي والإجرام
ويحثه باسم الكتاب أقسة
نشطوا لما هو في الكتاب حرام
ومسيطرون على الممالك سخرت
لهم الشعوب كأنها أنعام
من كل جزار يروم الصدر في
نادي الملوك وجده غنام
سكينه ويمينه وحزامه
والصولجان جميعها آثام
قال إن الدول البلقانية تحالفت على الدولة العثمانية - وكان تحالفها على هذه بواسطة قيصر الروسية وتحت كفالته، فهو الذي نظم شتات دول البلقان وشجعهن على محاربة تركيا، وقد لقاه الله جزاءه بعد الحرب العامة، فقتله البلاشفة شر قتلة يمكن أن يتصورها العقل؛ لأنهم بعد أن نفوه وحبسوه زحفت الجيوش الروسية التي يقودها أعداء البولشفيك لتستخلص القيصر من محبسه، فعجل هؤلاء بقتله أمام عائلته، وقتل عائلته أمامه، فأطلقوا عليهم الرصاص في لحظة واحدة ، وكان هو وامرأته وابنه ولي العهد وبناته الأربع - وسقن جيوشا جرارة تغطت بها الأرض زاحفة صوب تركيا والمناكير والقبائح والفظائع تمشي بين يديها، فقد كانت جيوش البلقانيين ترتكب من قتل الأهالي الوادعين، واستباحة أعراض النساء ذوات الصون والستر، ونهب الأموال وإهانة شعائر دين الإسلام، ما لم يقع نظيره إلا في الأندلس؛ ولذلك سمى شوقي البلقان بالأندلس الجديدة.
وكما كانت حروب الأندلس وفظائعها تغشى بتحريض القسوس الذين يخالفون في أعمالهم جميع ما قرءوا في كتابهم الإنجيل، كذلك كانت الصليبية البلقانية يؤجج نارها الأحبار والقسيسون من بلغار ويونان وصربيين، وكان الملوك الأربعة ملك البلغار وملك اليونان وملك الصرب وملك الجبل الأسود، ينشرون المناشير الحربية التي لا تزال نصوصها محفوظة كأنها محررة في القرون الوسطى، من الحث على استئصال المسلمين والتحريض على قتالهم بغير هوادة باسم النصرانية.
نعم، تقضي أمانة التاريخ أن نذكر كون الجيش الصربي تجنب الآثام في معاملة المسلمين أكثر من الجيشين البلغاري واليوناني، وقد رفعنا يومئذ الاحتجاجات إلى الدول العظام بناء على كون هذه الفظائع مخالفة لحقوق الأمم وللإنسانية، وقلنا إن من واجبات الدول بحسب التكافل الإنساني والتعاون المدني أن تقيم النكير على البلقانيين من أجلها، وكان لهذا الفقير إليه تعالى برقية من الآستانة في غاية التأثير والشدة، إلى السير ادوارد غراي ناظر الخارجية الإنجليزي، اطلع على صورتها بعد إرسالها كامل باشا الصدر الأعظم، وذلك بواسطة صديقي المرحوم محمد باشا الشريعي، فأعجب بها الصدر جدا وأرسل يشكرني عليها، ولكن من جهة النتيجة لم تعمل الدول أدنى عمل يدل على أنها تزن المسلمين بميزان واحد مع البلقانيين ولا مع سائر البشر، ولا سمعنا أنها خاطبت دول البلقان ولو من قبيل النصح بالاعتدال في سيرهن، أو بمراعاة حقوق الإنسانية في أثناء الحركات الحربية، ولا نبض عرق لجمعية أوروبية من تلك الجمعيات التي لا يحصى عددها المتشدقات بحفظ حقوق الإنسان.
وقد بلغ عدد الذين هاجروا من مسلمي البلقان فرارا من وجه الأعداء بعد أن سمعوا بما حل بإخوانهم على الحدود؛ مائة وخمسين ألف نسمة، دخلوا إلى الآستانة حتى غصت بهم الجوامع والمدارس على كثرتها، وكان ذلك في قلب الشتاء، وفشت فيهم الكوليرة وكانت خطوب الدولة تشغلها عن إيوائهم وإطعامهم، فقامت مصر حماها الله في تلك الأزمة مقاما لا ينساه لها تاريخ الإسلام، بل التاريخ العام؛ فأرسلت إليهم الإعانات التي كفلت نجاة هؤلاء الإخوان المهاجرين من الموت بردا وجوعا، إلى أن تمكنت الدولة من إجازتهم إلى الأناضول، وقد كان ما أعانت به مصر الجيش العثماني في تلك الحرب أربعمائة ألف جنيه، وما وزعته من الإعانات على هؤلاء المهاجرين مائة وخمسين ألف جنيه، وكنت أنا من جملة أعضاء اللجنة التي وزعت الإعانات من قبل لجنة الإعانة الكبرى بمصر، التي كان يرأسها أمين هذه الأمة الأمير عمر طوسون أمتع الله الإسلام بطول حياته، وإليه وإلى الأمير محمد علي توفيق رئيس الهلال الأحمر كنا نرسل البرقيات استمدادا واستعجالا بالإعانات كلما قدمت طائفة من المهاجرين، وكانت جميع تلك البرقيات تقريبا بقلم كاتب هذه السطور، وأنا الذي أبرق للأمير عمر طوسون بسقوط سلانيك ووجود 150 ألف نسمة من المسلمين فيها تحت خطر الموت جوعا، فما مضى على هذه البرقية إلا بضعة أيام حتى وصلت البواخر من مصر إلى ميناء سلانيك، ثم إلى ميناء «قواله»، مشحونة بالأرزاق والألبسة وجميع الحوائج التي كفلت إنقاذ أولئك المساكين من الموت، وتخفيف ويلات إخواننا مسلمي مقدونية أجمع، فجزى الله كنانته مصر خيرا عن هذه المبرات، التي وإن كانت بحسب الشرع فرضا عليهم لا منة لهم، فإنه لا يجوز للتاريخ أن يغفلها ولا يجوز للأمة التركية بخاصة أن تتناساها.