ويا سعد أنت أمين البلاد
قد امتلأت منك أيمانها
ولن نرتضي أن تقد القناة
ويبتر من مصر سودانها
أي لن نرضى أن تفصل قناة السويس عن مصر، ولا أن يبتر عنها السودان.
وحجتنا فيهما كالصباح
وليس بمعييك تبيانها
فمصر الرياض وسودانها
عيون الرياض وخلجانها
وما هو ماء ولكنه
وريد الحياة وشريانها
تتمم مصر ينابيعه
كما تمم العين إنسانها
وأهلوه منذ جرى عذبه
عشيرة مصر وجيرانها
وأما الشريك فعلاته
هي الشركات وأقطانها
يريد بالشريك إنجلترة، وأنها تريد فصل السودان عن مصر لمشروعاتها الزراعية، وأنا أقول ليس للقطن فقط يقصد الإنجليز الاستيلاء على السودان، ولكن ليجعلوا لجام مصر دائما في قبضة أيديهم؛ فإن مصر هي النيل، وإذا كان النيل بيد الإنجليز فكيف تخرج عن إرادتهم مصر. ثم قال:
وحرب مضت نحن أوزارها
وخيل خلت نحن فرسانها
أي باشروا حربا كنا نحن أسلحتها، على خيل كنا نحن فرسانها، ولكن ليكون الملك لهم.
وكم من أتاك بمجموعة
من الباطل الحق عنوانها
فأين من «المنش» بحر الغزال
وفيض «نيانزا» وتهتانها
وأين التماسيح من لجة
يموت من البرد حيتانها
ولكن رءوس لأموالهم
يحرك قرنيه شيطانها
ودعوى القوي كدعوى السباع
من الناب والظفر برهانها
أي أين بلاد الإنجليز من السودان، وما الصلة بين المانش وبحر الغزال، والحال هي كقول القائل:
سهم أصاب وراميه بذي سلم
من في العراق لقد أبعدت مرماك
ولكن دعوى القوي على الضعيف كدعوى الضواري المفترسة، براهينها من النيوب وأدلتها من الأظفار، لا ترجع إلى قوة المنطق، بل إلى شهوة الافتراس والجشع في الأكل. (32) قصيدة شوقي عن الكائنة البلقانية وحواش تاريخية للمؤلف
ومن كلمات شوقي التي تقصر عن وصفها الكلم، وشوارده التي يسهر الخلق جراها ويختصم، قصيدته في الحرب البلقانية، وهي التي يسميها بالأندلس الجديدة؛ فقد نظمها وفي قلوب المسلمين نار الله الموقدة، مما جرى على الإسلام في حرب البلقان؛ فطاشت لذلك العقول وطارت الأفئدة، وكان نصيب شاعر الإسلام من تلك الفادحة بقدر رقة شعوره ورهافة حسه وسهمه من الالتياع على ما حل بمسلمي البلقان، على نسبة شفوف طبعه ونفاسة نفسه، فقال وأرسلها للقرون والأجيال، وناطها بالأيام والليال:
يا أخت أندلس عليك سلام
هوت الخلافة عنك والإسلام
نزل الهلال عن السماء فليتها
طويت وعم العالمين ظلام
أزرى به وأزاله عن أوجه
قدر يحط البدر وهو تمام
يودع بلاد الرومللي ويقول: أصابك ما أصاب أختك الأندلس من قبل، ونزل الهلال فيك عن سمائه، يريد بالهلال الراية العثمانية التي نزلت في تلك البلاد عن عليائها بحكم قدر ينقص البدر بعد تمامه، كأنه يقول: إذا تم شيء بدا نقصه، وكأنه يشير إلى قول القائل:
وإن البدر أوله هلال
وآخره يعود إلى الهلال
ثم يقول:
جرحان تمضي الأمتان عليهما
هذا يسيل وذاك لا يلتام
بكما أصيب المسلمون وفيكما
دفن اليراع وغيب الصمصام
لم يطو مأتمها وهذا مأتم
لبسوا السواد عليك فيه وقاموا
ما بين مصرعها ومصرعك انقضت
فيما نحب ونكره الأيام
خلت القرون كليلة وتصرمت
دول الفتوح كأنها أحلام
والدهر لا يألو الممالك منذرا
فإذا غفلن فما عليه ملام
يقول: إن جرح الأندلس لما يلتئم، ولا يزال في قلوب العرب منه نزيز، وإذا بجرح البلقان بدأ يسيل وقد أدمى قلوب الترك، وإن كلا من الأمتين لمنكوبة بكل من هاتين الكائنتين اللتين دفن القلم والسيف فيهما، وهذه المئات الأربع من السنين التي مضت بين مأتم الأندلس ومأتم البلقان، كانت فيها الأيام تجري تارة فيما نحب، وطورا فيما نكره، يشير بقوله فيما نحب إلى فتوحات آل عثمان في بلاد البلقان حتى انتهوا إلى المجر وبولونيا، وحصروا فينا ولولا قليل لفتحوها، وفي قوله فيما نكره إلى الجزر الذي عقب ذلك المد والمصائب التي نزلت بالإسلام في السنين الأخيرة، حتى انقضت أيام تلك الفتوحات كأنها لم تكن، وقد كانت هذه المثلات تقرع المسلمين حتى ينتبهوا لشئونهم وينهضوا كما نهض غيرهم، فلبثوا يغطون في نومهم، وتركوا الحبل على الغارب؛ فليس على الدهر ملام إذا كانوا هم لبثوا غافلين عن شأنهم. ثم يقول: