على الفلا ولغير الله ما ركعوا
ما النافية لا يتقدمها شيء مما في حيزها، خلافا للكوفيين ونحو قول الشاعر:
إذا هي قامت حاسرا مشمعلة
نخيب الفؤاد رأسها ما تقنع
مع شذوذه محتمل للتأويل:
كيف اهتدى لهم الإسلام وانتقلت
إليهم الصلوات الخمس والجمع
جزتك مصر ثناء أنت موضعه
فلا تذب من حياء حين تستمع
ولو جزتك الصحاري جئتنا ملكا
من الملوك عليك الريش والودع
أي ملكا من ملوك أواسط إفريقية، الذين عنوان الملك عندهم الريش والودع. (30) قصيدة له في حفلة تكريم
ومما أحب أن أنوه به من شعر شوقي قصيدته في تكريم الإخوان: عبد الملك بك حمزة، وإسماعيل بك كامل، وعوض بك البحراوي، بعد رجوعهم إلى مصر من الغربة التي اغتربوها أثناء الحرب العامة، فإن شعر شوقي فيهم يعبر عن شعور كثيرين، وراقم هذه الأسطر منهم أو في طليعتهم؛ قال:
وطن يرف هوى إلى شبانه
كالروض رقته على ريحانه
هم نظم حليته وجوهر عقده
والعقد قيمته يتيم جمانه
يرجو الربيع بهم ويأمل دولة
من حسنه ومن اعتدال زمانه
من غاب منهم لم يغب عن سمعه
وضميره وفؤاده ولسانه
وإذا أتاه مبشر بقدومهم
فمن القميص ومن شذا أردانه
ولقد يخص النافعين بعطفه
كالشيخ خص نجيبه بحنانه
هيهات ينسى بذلهم أرواحهم
في حفظ راحته وجلب أمانه
وقفوا له دون الزمان وريبه
ومشت حداثتهم على حدثانه
في شدة نقلت أناة كهوله
فيها وحكمتهم إلى فتيانه
هذا البيت الأخير معنى مطروق كثيرا، ومما أتذكره منه قول الشيخ ناصيف اليازجي شاعر سورية في وقته في الأرسلانيين:
فتيانهم في العقل مثل شيوخهم
وشيوخهم في البأس كالفتيان
ثم قال:
قم يا خطيب الجمع هات من الحلي
ما كنت تنثره على آذانه
ناد الشباب فلم يزل لك ناديا
والمرء ذو أثر على أخدانه
ألق النصيحة غير هائب وقعها
ليس الشجاع الرأي مثل جبانه
قل للشباب زمانكم متحرك
هل تأخذون القسط من دورانه؟
وقد صادف الاحتفال بتكريم هؤلاء المجاهدين الثلاثة أيام الأزمة المالية في مصر وسقوط أسعار القطن، فقال شوقي:
يا من لشعب رزؤه في ماله
أنساه ذكر مصابه بكيانه
الملك كان ولم يكن قطن فلم
يغلب أبوتنا على عمرانه
الفاطمية شيدت من عزه
وبنى بنو أيوب من سلطانه
بالقطن لم يرفع قواعد ملكه
فرعون والهرمان من بنيانه
لكن بأول زارع نفض الثرى
بذكائه وأثاره ببنانه
وبكل محسن صنعة في دهره
تتعجب الأجيال من إتقانه
وبهمة في كل نفس حلقت
في الجو وارتفعت على كيوانه
ملك من الأخلاق كان بناؤه
من نحت أولكم ومن صوانه (31) ما قاله يوم أطلق أحد الشبان المفتونين الرصاص على سعد زغلول
وقال في الزعيم الأكبر سعد باشا زغلول عندما أطلق عليه الرصاص أحد الشبان، فأنجى الله سعدا ووقى مصر شرا مستطيرا:
نجا وتماثل ربانها
ودق البشائر ركبانها
وهلل في الجو قيدومها
وكبر في الماء سكانها
تحول عنها الأذى وانثنى
عباب الخطوب وطوفانها
نجا نوحها من يد المعتدي
وضل المقاتل عدوانها
فيا سعد جرحك ساء الرجال
فلا جرحت فيك أوطانها
وقتك العناية بالراحتين
وطوق جيدك إحسانها
رماك على غرة يافع
مثار السريرة غضبانها
وقدما أحاطت بأهل الأمور
ميول النفوس وأضغانها
تلمس نفسك بين الصفوف
ومن دون نفسك إيمانها
يريد الأمور كما شاءها
وتأبى الأمور وسلطانها
وعند الذي قهر القيصرين
مصير الأمور وأحيانها
أرى مصر يلهو بحد السلاح
ويلعب بالنار ولدانها
وراح بغير مجال العقول
يجيل السياسة غلمانها
وما القتل تحيا عليه البلاد
ولا همة القول عمرانها
ولا الحكم أن تنقضي دولة
وتقبل أخرى وأعوانها
ولكن على الجيش تقوى البلاد
وبالعلم تشتد أركانها
وهذا ما قلناه دائما، وما قد انتهت إليه مصر بهذه المعاهدة الأخيرة مع الإنكليز، فليكن لمصر الجيش المهيب، فكل شيء يتسق بعد ذلك.
فأين النبوغ وأين العلوم
وأين الفنون وإتقانها؟
وأين من الخلق حظ البلاد
إذا قتل الشيب شبانها؟
وفي هذه القصيدة كلام عن ضرورة السودان لمصر يجدر أن نأثره، ويجب على كل مصري أن يحفظه عن ظهر قلبه، ولقد أراد الله بفضل خصام إنكلترة مع إيطالية في هذه السنة أن يعود المصريون إلى السودان، فليبشر شوقي في قبره.