تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولشوقي قصيدة في الأزهر مطلعها:

قم في فم الدنيا وحي الأزهرا

وانثر على سمع الزمان الجوهرا

واخشع مليا واقض حق أئمة

طلعوا به زهرا وماجوا أبحرا

لا تحذ حذو عصابة مفتونة

يجدون كل قديم شيء منكرا

ولو استطاعوا في المجامع أنكروا

من مات من آبائهم أو عمرا

من كل ماض في القديم وهدمه

وإذا تقدم للبناية قصرا

وأتى الحضارة بالصناعة رثة

والعلم نزرا والبيان مثرثرا

يخاطب نفسه قائلا: قم وحي هذا المعهد العلمي الأكبر واخشع له، واقض حقوق الأئمة الأبحر الذين ماجوا فيه من قديم الزمان، ولا تكن كأولئك المفتونين الذين ينكرون كل قديم، ولو استطاعوا لأنكروا آباءهم، وهم من شدة رغبتهم في الهدم وكونهم فرسانا في التخريب، نجدهم راجلين في البناء؛ فإذا دعوت الواحد منهم إلى صناعة لم يحسنها، أو إلى علم لم يأت بشيء منه، أو إلى بيان ما جاء إلا بالثرثرة. ثم يقول: إني وإن لم أكن ممن تخرجوا في الأزهر، فإني لا أقصر دون غايات البيان، وإن إصلاح الأزهر ليهمني كمسلم؛ ولذا قمت مهنئا بهذا الإصلاح باسم الحنيفة.

ما ضرني أن ليس أفقك مطلعي

وعلى كواكبه تعلمت السرى

لا والذي وكل البيان إليك لم

أك دون غايات البيان مقصرا

لما جرى الإصلاح قمت مهنئا

باسم الحنيفة بالمزيد مبشرا

نبأ سرى فكسا المنارة حبرة

وزها المصلى واستخف المنبرا

يأتي زها لازما ومتعديا.

وسما بأروقة الهدى فأحلها

فرع الثريا وهي في أصل الثرى

ومشى إلى الحلقات فانفرجت له

حلقا كهالات السماء منورا

حتى ظننا الشافعي ومالكا

وأبا حنيفة وابن حنبل حضرا

كيف يتغنى بوصف الأزهر ولا يذكر المصلى والمنارة والمنبر، ولا يشير إلى الأروقة وإلى حلقات الدروس، ولا يذكر أئمة المذاهب الأربعة؛ إنه لشاعر لا يؤتى من جهة في فنه. (29) قصيدة شوقي في الرحالة حسنين

وله من قصيدة عن الرحالة المصري محمد حسنين بك، وصف فيها رحلته الشاقة في صحراء ليبيا، جاء فيها:

كم في الحياة من الصحراء من شبه

كلتاهما في مفاجأة الفتى شرع

وراء كل سبيل فيهما قدر

لا تعلم النفس ما يأتي وما يدع

أي حياة الإنسان هي كالصحراء، في كل دقيقة يجوز أن يطلع عليه قدر لا يتوقعه.

فلست تدري وإن كنت الحريص متى

تهب ريحاهما أو يطلع السبع

ولست تأمن عند الصحو فاجئة

من العواصف فيها الخوف والهلع

ولست تدري وإن قدرت مجتهدا

متى تشد رحالا أو متى تضع

ولست تملك من أمر الدليل سوى

أن الدليل وإن أرداك متبع

وما الحياة إذا أظمت وإن خدعت

إلا سراب على صحراء يلتمع

ما نحت شاعر من مقاطع التشبيه أبدع من هذه التشابيه التي وجدها شوقي بين الصحراء والحياة، كل منهما لا يدري السائر فيها متى تهب عواصفها ومتى تسكن، ومتى يطلع فيها السبع ومتى يختفي، ومتى يشد السائر الرحل أو متى يضعه، وإنه إذا اتبع دليلا فهو رهن معرفة الدليل لا مناص له من اتباعه وإن أداه إلى الهلاك، وإنه يلوح في كل منهما بارق الأمل، فإذا به خلب وإذا الشراب سراب. ثم يمتدح همة الرحالة حسنين فيقول:

أكبرت من حسنين همة طمحت

تروم ما لا يروم الفتية القنع

وما البطولة إلا النفس تدفعها

فيما يبلغها حمدا فتندفع

ولا يبالي لها أهل إذا وصلوا

طاحوا على جنبات الحمد أم رجعوا

قال إن الدافع الذي يجعل من الإنسان بطلا هو أنه يطمح إلى ما لا يطمح القانعون، وأن نفسه تسمو به إلى ما يبلغها المجد، ذهبت في سبيل المجد أم رجعت سالمة. ثم هو يسأل حسنين عما رأى في تلك الصحاري، وعن أهلها الذين لم يزالوا على الفطرة من عهد آدم، والذين اهتدى إليهم الإسلام في فيافيهم المنقطعة، واهتدوا به وأصبحوا مصلين صائمين، فقال:

رحالة الشرق إن البيد قد علمت

بأنك الليث لم يخلق له الفزع

ماذا لقيت من الدو السحيق ومن

قفر يضيق على الساري ويتسع

وهل مررت بأقوام كفطرتهم

من عهد آدم لا خبث ولا طبع

ومن عجيب لغير الله ما سجدوا

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ١١١