تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا

فلا عجب أن يكون أحمد شوقي قد قال في الخديوي السابق القصائد التي سارت في البلاد وترنم بها الحاضر والباد، وقال مثلها وأحسن منها في السلطان عبد الحميد خليفة المسلمين الذي بمديحه تطيب نفوسهم وتهتز أعطافهم. ويزيد هذا البرهان ظهورا أنه لم تكن تقع حرب تظهر فيها قوة الدولة ويتلألأ مجد الملة إلا وجدت شوقي قد جاء يجر جحفل فصاحته ويرفع لواء بلاغته، كما نظم في حرب الدولة مع اليونان تلك القصيدة الباقية التي بذ فيها شعراء العالمين وساوى فيها شعر المتقدمين، وسنذكر فيما بعد ما يأخذ بالألباب منها. •••

ولقد درت درر شوقي في مديح الخديوي السابق بخيرات وشت بروده وكفته مئونة العيش الأبله، فما من شعر اخضر له رعي وأورق له غصن كشعر شوقي، وهذه هي عائلته تتقلب ولله الحمد في النعماء التي أثلها شعره.

وأما أنا فقد كان أكثر فراري من الشعر خشية أن يظن بي مزاولته تكسبا لا تأدبا؛ وذلك لكثرة الشعراء الذين سلكوا تلك الشعاب فكنت إذا مدحت السلطان فإنما أمدحه لأجل أمتي التي هو سلطان عليها، وكنت أنشر قصيدتي في الجرائد ولا أقدمها إلى الحضرة السلطانية، وفي إحدى المرار عندما كنت في ريعان الصبا نظمت قصيدة واستنسختها بخط أنيق وموهتها بالذهب وقصدت تقديمها للمابين الهمايوني كما كان يقال، ثم عدلت عن ذلك واكتفيت بنشرها في الجرائد، وقد سبق أني لما أشار إلي الأستاذ الإمام بأن أنظم شيئا للخديوي محمد توفيق - رحم الله الاثنين - نظمت تلك القصيدة الدالية التي تقدمت في رسالتي هذه ولم أغفل أن أختمها بهذين البيتين:

وإني إذا أهدي العزيز مدائحي

أبوء بصدق القول غير مفند

وإلا فما حاولت إدراك غاية

بشعري ولا نظم القصائد مقصدي

وهذا حرصا مني على ألا يفهم الخديوي رغبة مني في المكافأة، وفي هذا مني نظر إلى قول أحد شعراء الأندلس، وكان من أبناء البيوتات:

وما أنا بالباغي على الشعر رشوة

أبى ذاك لي جد كريم ووالد

وأني من قوم قديما وحادثا

تباع عليهم بالألوف القصائد

| عفة لسان شوقي وبعده عن الهجاء

ولنعد إلى أوصاف شوقي الشعرية، فنقول: إنه وإن كان أسرف في المديح وفي مديح أمير بلاده خاصة، فلم يلوث شعره بالهجاء، ولم أسمع له قصيدة يهجو بها أحدا، قد عصمه الله من ذلك، فإن من أقبح ما قبح سمعة الشعراء وجعل الخلق ينظرون إليهم بشيء من الريبة، أن كثيرا منهم رتعوا في لحوم الناس وسيروا المثالب التي قد تكون بلا أصل، أو يكون لها أصل ضعيف ولكن الناس حفظوها وتدارسوها لبداعة قوالبها خلفا عن سلف، حتى انتهى الأمر بأن صدقوا فحواها وصارت في نظرهم وقائع تاريخية. فلو كان شوقي شتاما مقذعا مع ما أوتي من الإجادة لكان ثلم أعراضا وخلد مقابح وأورث أحقادا وقيد فضائح، وكان هجا نفسه بهجوه لغيره، وما أصدق هذه الجملة: الإناء ينضح بما فيه. فعفة لسان شوقي وتنكبه طريقا طالما سلكها شعراء كبار وصغار ومتوسطون هذا دليل على زكاء طبعه وفرط حيائه وأيضا رجاحة عقله وأصالة رأيه، فكم أحدث الشعر من فتنة وأراق من دم وأحرج من جماعة وحرم العالم من نعمة، وأية نعمة كانت أعظم من شعر المتنبي الذي كانت حياته كلها أقوالا عبقرية آخذا بعضها برقاب بعض، ولكنه برغم جميع حكمه الاجتماعية وآرائه الفلسفية لم يتنبه إلى ما في الهجو من الاستهداف للمقت والتعرض للهلكة، فقال من الأقوال الصغار ما يخالف تلك الحكم التي تفرد بها وأسف في الهجو إسفافا يحار العقل لصدوره من مثله، وانتهى بأن ذهب فريسة إقذاعه، وكل يعلم أن قصيدته المسخوطة التي أولها:

ما أنصف القوم ضبه

وأمه الطرطبه

قد كانت سبب قتله على يد فاتك الأسدي خال ضبة الذي انتقم لشرف أخته وحرم الناس مواهب تلك النفس العظيمة في إبان إجادتها وأوج مجادتها، ونكتفي بهذا المثال عن الأمثلة الكثيرة التي كانت مآسي في تاريخ العرب، وجراحات اللسان ليس لها التآم، فمن محاسن شوقي التي يجب أن تذكر وتؤثر أنه لم يستمطر عارض خاطره في تقييد شنعاء أو تخليد صلعاء، وما أجدره بقول نصيب الشاعر: ما قلت بيتا قط تستحي الفتاة الحيية من إنشاده في ستر أبيها. كان شوقي عفا طاهر اللفظ صافي النفس تنعكس على مرآه نفسه النقية المحاسن دون القبائح، وكان لا يسلم من الحسد والمنافسة ومثله من يحسد ويغص بمكانه، ولكنه كان يمر باللغو كريما وبالحسد عظيما وكأنه يرى نفسه فوق أن يزاحم ويجد شوطه أبعد من أن يسابق فيعف عن قدرة ويتواضع عن أنفة، وقد صدق حيث قال:

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ١١