تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يخلط شوقي الشعر بالسياسة ولا التجارة ولا الفقه ولا الإدارة ولا الزراعة ولا عمل من الأعمال الأخرى التي يتعاطاها الناس وكثيرا ما قرنوا بعضها ببعض فأخذ العمل الواحد من قوة العمل الآخر. وقلما زاول الإنسان عملين إلا غلب أحدهما عليه أو قصر في الاثنين، وقد علم شوقي بثقوب فكره أنه إن حاول أن يكون سياسيا عظيما أو إداريا ماهرا أو زراعيا متقنا أو اقتصاديا مدققا سلبت عنايته بمهنته هذه من ملكته الشعرية بمقدار انصرافه عنها إلى غيرها، فقصر عن إدراك الأمد الأقصى الذي لم يزل مطمح نظره في الشعر، وقعد عن الرتبة الأدبية اللائقة بمن يقال له شاعر الأمير وأمير الشعراء. وكما أن لقب شاعر الأمير وأمير الشعراء كان يزيد شوقي نفاذا في صنعته وصقالا لقريحته، كان يكسوه أيضا أمام الناس بهاء يستمده من منصبه، ويلمع عليه بسبب حظوته عند الجناب العالي، فكان كل من لقبه وأدبه عونا للآخر.

| القول في مدح الأمراء والملوك

وقد عاب بعضهم على شوقي قضاءه عمره في مدح الأمير ومدح السلطان والإشادة بذكر ذوي السلطة، وربما عابونا نحن أيضا لمثل ذلك وغمزوا بالكثيرين الذين وقفوا أشعارهم على مدح الأمراء والملوك وزعموا أن في ذلك دليلا على طلب الزلفى أو التماس الجائزة.

والجواب على ذلك يحسن بنا أن نوضحه إيضاح من لا يبقي عليه ظلمة الإبهام وهو: جرت عادة الملوك والأمراء سواء في الشرق أو في الغرب من قديم الزمان أن ينتدبوا لأنفسهم رهطا من الفصحاء من شاعر مفلق وكاتب مبرز وخطيب مفوه ونديم مطرب، وأمثال هذا الضرب من ذوي المواهب العقلية الوافرة والحظوظ الأدبية الراجحة؛ يشيدون بذكرهم في المحافل بالقصائد الشوارد أو بالخطب الأوابد أو بالمناشير الصادرة كعقود الفرائد مما يزيد في وقار الملك وسنام العرش وحرمة الرعية للراعي، ويلقي على الأفعال أقوالا تزيد في بهائها وتضاعف من بقائها؛ إذ لا يوجد مثل الشعر والنثر تقييدا للمآثر وتخليدا للمفاخر؛ فالشاعر الذي يتصل بملك من الملوك أو أمير من الأمراء سواء في شرق أو غرب لم يكن يجد من الغضاضة في شيء التغني في مدح سيده، حتى لو لم يكن أهلا لكل ذلك الإطراء؛ لأن مثل هذه الطبقة من الشعراء والأدباء يذهبون إلى أن الكلام إنما هو للمقام لا للمقيم، وأن المقام إنما هو رمز الأمة وعنوان الملة، ثم قد شاءت الأقدار في أخريات الزمان أن يدخل الضعف على الدول الإسلامية بأجمعها وأن تغلظ شوكة الأجانب الغربيين بين أيديها ومن خلفها وأن تحيط بكثير منها وتأخذ على أيدي ملوك الإسلام، فلا تبقى لهم سوى الرسوم والألقاب ويتغلغل نفوذ الأجانب في هذه الحكومات المغلوبة على أمرها فتصير الأمة التي في مثل هذا الموقع وقد أخذ الأجانب بخناقها تتطلع إلى أميرها الأصلي وتعزز من مقامه وتضاعف من إجلاله ؛ بناء على أنه هو رمز استقلالها الوحيد، فالمبالغة في إجلال هذا الرمز إنما هي المبالغة في حفظ الاستقلال نفسه.

فعندما يهتف شوقي ومن في نمطه بتلك القصائد الرنانة؛ إما في مدح عزيز مصر أو في مدح الخليفة الأعظم، فإنما هو في الحقيقة يشيد باستقلال مصر في وجه الأجانب الطامعين المستأثرين بالأمر، وعندما يرسل كلماته الخالدة في مديح السلطان الخليفة فإنما يقدس مقام الخلافة العزيز على المسلمين، الناظم لشملهم، القائم في وجه عدوهم. فليس في هذا المذهب ما يدل على سلوك طريق التزلف كما يظن من لا يدقق في أسرار الأمور، ولكنها الصارخة القومية والنزعة الإسلامية، والنضح عن حوض الخلافة، والذود عن بنيان السلطنة، وهذا أشبه شيء بالدعاء الذي يقال في الجوامع نهار الجمعة استنزالا من عند الله لنصر سلاطين الزمان الحافظين لكيان الأمة في الداخل والخارج، وليس هذا الدعاء خاصا بأشخاصهم وإنما هو للمقام الذي يتبوءونه، لا يزال الخطيب يدعو لهم حتى إذا زال الواحد منهم عن كرسيه دعا لخلفه. ولا يقال في مثل هذه الحالة إن خطباء الجوامع متزلفون، وإنهم لذلك ليسوا على شيء من حرية الفكر. فالكلام هنا راجع كله للدولة مقصود به مجد الأمة وليست هنا الأشخاص هي القصد من الرسوم، وأيضا فإن هؤلاء الملوك والأمراء يبرون شعراءهم ويغمرونهم بالنعم الجسام ويحسنون إليهم بأنواع الإحسان والنفوس مطبوعة على حب من أحسن إليها، وقد قال المتنبي: ... ... ... ... ...

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ١٠