تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلا حكمتي دعوى ولا منطقي هوى

ولا مبدئي لؤم ولا قلمي وغد

جعلت مديحي آية الود في الورى

فجاب به الدنيا وما انتقل الود

قواف لرب الشعر لا النظم طائل

إذا هي سارت في البلاد ولا النقد

يهذبها العلم الذي العلم بعضه

وهذا البيان الوحي والفطنة الوقد

أوانس أحيانا شوارد تارة

لها لعب آنا وآنا لها جد

وما قال هذه الأبيات إلا على أثر قالة بلغته، وهذه كانت غاية ما ثار ثائره، ويجوز أن يكون وقع له غيرها، ولكني لم أطلع على ذلك بمكاني من بر الشام والمصريون أدرى بهذا مني، وأنت ترى أن في تعريفه هذا بمن ينافسه أو يحاول الغض منه ما لا يجد فيه قائل مقالا.

وقد كان يتجنب أيضا المساجلات والمناقشات في شعره؛ فلا يهاجم ولا يهاجم، وربما نيل منه في غيابه ولكنه كان يقابل بالسكوت، ولعل سكوته هو لما تقدم من ثقته بنفسه وشعوره بأنه الصخرة التي ينحط عنها السيل، وربما لو ذهب في المناقضات مذهب الغابرين لكان أتى ببدائع أبقاها عزوفه عن هذا الأمر ملفوفة في غلافها مكنونة في أصدافها، فقد قرأنا فعلمنا أن الشعراء المفلقين إنما يحلقون في سماء الفصاحة عندما يناقض بعضهم بعضا، انظر على سبيل التمثيل قول رماح بن ميادة يمدح قيسا ويفتخر بها ويهجو تميما وأسدا:

وأحقر محقور تميم أخوكم

وإن غضبت يربوعها وربابها

ألا ما أبالي أن تخندف خندف

ولست أبالي أن يطن ذبابها

ولو أن قيسا قيس عيلان أقسمت

على الشمس لم يطلع عليكم حجابها

إذا غضبت قيس عليك تقاصرت

يداك وفات الرجل منك ركابها

وإن غضبت من ذا قريش فقل لها

معاذ الإله أن أكون أهابها

وإني لقوال الجواب وإنني

لمفتخر أشياء يعيي جوابها

فأجابه عبد الرحمن بن جهيم الأسدي:

لقد كذب العبد ابن ميادة الذي

ربا وهو وسط الشول تدمي كعابها

أرماح إن تغضب صناديد خندف

يهج لك حربا قصبها واعتيابها

ولو أغضبت قيس قريشا لجدعت

مسامع قيس وهي خضع رقابها

لقد جر رماح بن واقصة الخصي

على قومه حربا عظيما عذابها

وقد علم المملوح بالشؤم رأسه

قتيبة أن لم تحم قيسا غضابها

ولو أن قيسا قيس عيلان أصحرت

لأنواء غنم أغرقتها شعابها

ولو أن قرن الشمس كان لمعشر

لكان لنا إشراقها واحتجابها

ولكنها لله يملك أمرها

بقدرته إصعادها وانصبابها

لعمري لئن شابت حليلة نهبل

لبئس شباب المرء كان شبابها

ولم تدر حمراء العجان أنهبل

أبوه أم المري تب تبابها

ووالله لولا أن قيسا أذلة

لئام فلا يرضى لحر سبابها

لألحقتها بالزنج ثم رميتها

بشنعاء يعيي القائلين جوابها

لا جرم أن في هذا الشعر، سواء من المهاجم أو المدافع من جزالة اللفظ وبلاغة التأثير وعلو النفس وقوة الطبع، ما يندر أن يكون في شعر شاعر، وقد كان يلذ للقارئ ويحلولى في ذوق السامع ويستعاد مرارا لولا ما في جواب الشاعر الأسدي من المقاذر، ولو أنهم كانوا اقتصروا على المفاخرة والمعاتبة لكان بهم أحجى، ولهم أنجى، وبالأفئدة أعلق، وبزكاء شمائلهم أنطق، وعلى كل حال لم يعلم ماذا كان يكون من شوقي لو فاخره مفاخر أو كاثره مكاثر؛ فإنه لم يسلك هذه الطريقة ولا اختار هذا المركب ولو أنه كان اختاره أو دفع إليه لوجد من يجاذبه الحبل ومن يقف في وجهه وقوف الكفء للكفء فلا حافظ إبراهيم ولا خليل المطران ولا الكاظمي ولا الرصافي ولا من في درجتهم، كان يعجز عن أن يقابل شوقي السجل بالسجل، ولكن إما لرغبة منه عن الشحناء وإما لترفع منه عن مباراة النظراء، ربأ بنفسه عن القال والقيل، وتباعد بها عن كل نزاع من هذا القبيل، وأصبح الفذ الذي لا يساجل والجواد الذي لا يجارى، حتى إني قلت فيه عند وفاته من جملة رثائي له:

ولقد رويت الشعر عن آحاده

وألفت للسباق في حلباته

وقضيت فيه صبوتي وصبابتي

وقطفت منه خير نواراته

وأثرت في الميدان بزل فحوله

وأطرت في الآفاق شهب بزاته

فرأيت شوقي لم يدع في عصره

قرنا يهز قناته لقناته

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ١٢