حظ الفقير بهن كان جزيلا
ومعاقلا لا تمحى آثارها
وجيوش إبراهيم والأسطولا
وجداولا بين الضياع جواريا
تذر اليباب مزارعا وحقولا
ومدائنا قد خططت وطرائقا
كانت حزونا فاستحلن سهولا
والقطن مزروعا بفضل محمد
في مصر محلوجا بها مغزولا
قد مد إسماعيل قبلك للورى
ظل الحضارة في البلاد ظليلا
إن قيس في جود وفي سرف إلى
ما تنفقون اليوم عد بخيلا
يريد أن يقول إن الإنجليز كانوا يجورون على خزانة مصر ويجحفون بها أكثر مما كان إسماعيل يجور عليها، فلماذا لا يزالون ينتقدون إسرافه؟
أو كان قد صرع المفتش مرة
فلكم صرعت بدنشواي قتيلا
أي إنه إن كان إسماعيل باشا ظلم وقتل إسماعيل باشا المفتش ظلما، فكم ظلمتم أنتم وقتلتم ظلما من أناس في حادثة دنشواي، وهي أن جنودا من جيش الاحتلال الإنجليزي اصطادوا حماما لأهل دنشواي (قرية من أعمال المنوفية)، برغم رجاء أهل القرية لهم ألا يفعلوا، فوقع بين الفريقين نزاع من أجل صيد الحمام، فاعتدى الجنود الإنجليز على بعض الأهالي، فدافعوا عن أنفسهم وفر أحد الإنجليز في الحر، فأصيب بضربة الشمس فمات، وعند ذلك قامت قيامة اللورد كرومر، فأمر بأهل القرية فحوكموا محاكمة صارت مثلا مضروبا في الظلم، وشنق عدة أشخاص من أهل القرية، وجلد آخرين وسجن كثيرين، وشاعت فظاعة هذه الحادثة حتى في إنجلترة نفسها، فاضطرت الحكومة الإنجليزية أن تصرف اللورد كرومر عن مصر بسببها؛ ولذلك غلب عليه الحقد فتكلم بما تكلم به في حفلة توديعه، وخالف الأدب بما فعله، وتركها على نفسه سبة باقية زادها شعر شوقي تخليدا.
لا تذكر الكرباج في أيامه
من بعد ما أنبت فيه ذيولا
أي إنه إن كان إسماعيل قد استعمل المقرعة في أيامه، فأنت أيها اللورد جعلت لهذه المقرعة ذيولا، وجلدت أكثر مما جلد إسماعيل، ومن الجملة ما جلدت في دنشواي.
كم منة موهومة أتبعتها
منا على الفطن الخبير ثقيلا
في كل تقرير تقول خلقتكم
أفهل ترى تقريرك التنزيلا
أي كلما قدم اللورد كرومر تقريرا سنويا عن مصر والسودان، ادعى لنفسه من الإصلاحات ما ادعى، ونزل ذلك منزلة الحقائق التي لا شك فيها، ومن بها على مصر منا ثقيلا، كما قال بعضهم:
رأيتك تكويني بميسم منة
كأنك كنت الأصل في يوم تكويني
ثم ذكر كيف أضاع اللورد كرومر الجيش المصري وضعضع قوته عمدا، وقلم أظفاره خبثا ولؤما، وحرم ضباطه الترقي عن درجات معلومة، فصاروا يعيشون بلا أمل، ويخدمون بلا مكافأة، مع أن إنجلترة إنما فتحت السودان بدم هذا الجيش المصري لا بغيره، وقد صاغ شوقي هذا الموضوع بالأبيات الآتية:
أم هل يعد لك الإضاعة منة
جيش كجيش الهند بات ذليلا
انظر إلى فتيانه ما شأنهم
أوليس شأنا في الجيوش ضئيلا
حرمتهم أن يبلغوا رتب العلا
ورفعت قومك فوقهم تفضيلا
فإذا تطلعت الجيوش وأملت
مستقبلا لم يملكوا التأميلا
من بعد ما زفوا لإدوارد العلا
فتحا عريضا في البلاد طويلا
ثم يذكر شوقي أصناف الناس الذين يحق لهم أن يأسفوا على انفصال كرومر عن ولاية أمر مصر، مثل الإنجليز الذين ملكهم كرومر زمام هذا القطر، ومثل أعضاء الكلوب أو النادي في القاهرة، ومثل القسيسين المبشرين، ومثل الصرافين بلندن، ومثل جريدة التايمس والجرائد الاستعمارية، ومثل شركة قناة السويس؛ فقال:
لو كنت من حمر الثياب عبدتكم
من دون عيسى محسنا ومنيلا
حمر الثياب كناية عن العسكر الإنجليزي المحتل لمصر.
أو كنت بعض الإنجليز قبلتكم
ملكا أقطع كفه تقبيلا
أو كنت عضوا في الكلوب ملأته
أسفا لفرقتكم بكا وعويلا
أو كنت قسيسا يهيم مبشرا
رتلت آية مدحكم ترتيلا
أو كنت صرافا بلندن دائنا
أعطيتكم عن طيبة تحويلا
أو كنت «تيمسكم» ملأت صحائفي
مدحا يردد في الورى موصولا
أو كنت في مصر نزيلا جاهدا
سبحت باسمك بكرة وأصيلا
يشير بالبيت الأخير إلى النزلاء الأجانب الذين يتمتعون بالامتيازات الأجنبية، ولا تقدر الحكومة المصرية أن تواجه منهم أحدا إلا عن طريق قنصله، وهذه الامتيازات كان اللورد كرومر من أشد المحافظين عليها؛ رغبة في تقييد مصر وكسر شوكتها.