تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا كما يقول شوقي الذي قسم الله له من المنطق ما لم يقسم إلا لأعاظم الفلاسفة. وختم شوقي هذه القصيدة بذم الانتحار واستنكار قتل النفس التي لا يجوز أن تموت إلا باسم الله تعالى، ولم يحمد موطنا يجوز فيه الاستخفاف بالنفس إلا موطن الجهاد، فقال رحمه الله:

قاتل النفس ولو كانت له

أسخط الله ولم يرض البشر

ساحة العيش إلى الله الذي

جعل الورد بإذن والصدر

لا تموت النفس إلا باسمه

قام بالموت عليها وقهر

إنما يسمح بالروح الفتى

ساعة الروع إذا الجمع اشتجر

فهناك الأجر والفخر معا

من يعش يحمد ومن مات أجر (22) شوقي يتوجع على بيروت يوم ضربها الطليان أيام حرب طرابلس

وله عندما ضرب الأسطول الإيطالي مدينة بيروت في أثناء حرب طرابلس الغرب:

يا رب أمرك في الممالك نافذ

والحكم حكمك في الدم المسفوك

إن شئت أهرقه وإن شئت احمه

هو لم يكن لسواك بالمملوك

ثم يقول:

بيروت مات الأسد حتف أنوفهم

لم يشهروا سيفا ولم يحموك

سبعون ليثا أحرقوا أو أغرقوا

يا ليتهم قتلوا على «طبروك»

يريد بها «طبرق» الواقعة غربي السلوم ضمن حدود قضاء درنة، وقد كان الناس دعوا جنود السفينة الصغيرة العثمانية الراسية في المرفأ للخروج منها قبل أن يضربها الأسطول، فأبى الضباط ذلك وأصروا على البقاء في السفينة قياما بالواجب، ولو كانوا سيموتون لا محالة، فتلقوا الموت اليقين حتى لا يقال إنهم فروا منه.

بيروت يا راح النزيل وأنسه

يمضي الزمان علي لا أسلوك

الحسن لفظ في المدائن كلها

ووجدته لفظا ومعنى فيك

نادمت يوما في ظلالك فتية

وسموا الملائك في جلال ملوك

ينسون حسانا عصابة جلق

حتى يكاد بجلق يفديك

يشير إلى قول حسان: «لله در عصابة آنستهم

يوما بجلق في الزمان الأول »

تالله ما أحدثت شرا أو أذى

حتى تراعي أو يراع بنوك

إن يجهلوك فإن أمك سوريا

والأبلق الفرد الأشم أبوك

لك في ربى النيل المبارك جيرة

لو يقدرون بدمعهم غسلوك

يشير بالأبلق الفرد الأشم إلى جبل لبنان وبنوه بسورية العزيزة وطن الكرم والشجاعة، قائلا لبيروت إنها أمك البرة. (23) وصف شوقي لاستانبول

ولشوقي وصف للآستانة:

مني لعهدك يا فروق تحية

كعيون مائك أو ربى واديك

أو كالنسيم غدا عليك وراح من

فوف الرياض ووشيها المحبوك

أو كالأصيل جرى عليك عقيقه

أو سال من عقيانه شاطيك

تلك الخمائل والعيون اختارها

لك من ربى جناته باريك

قد أفرغت فيك الطبيعة سحرها

من ذا الذي من سحرها يرقيك

خلعت عليك جمالها وتأملت

فإذا جمالك فوق ما تكسوك

عن جيدك الحالي تلفتت الربى

واستضحكت حور الجنان بفيك

إن أنس لا أنس الشبيبة والهوى

وسوالف اللذات في ناديك

ولياليا لم ندر أين عشاؤها

من فجرها لولا صياح الديك

وصبوحنا من «بندلار» و«شرشر»

وغبوقنا «بترابيا» و«بيوك»

هذه منازل ومتنزهات في البوسفور، أما «البندلار» فهي أودية ذات سدود تشكلت منها بحيرات يذهب ماؤها إلى الآستانة، وشرشر هي عين ماء، وترابيا هي قرية على ضفة البوسفور وكذلك «بيوك دره». ثم يقول:

لا يحزننك من حماتك خطة

كانت هي المثلى وإن ساءوك

وهم الخفاف إليك كالأنصار إذ

قل النصير وعز من يفديك

والمشتروك بمالهم ودمائهم

حين الشيوخ بجبة باعوك

هنا تحامل أخونا شوقي على الشيوخ الذين لولاهم في الحقيقة لم يقم أهل الأناضول ولا لبوا دعوة كاظم قره بكير، ولا مصطفى كمال، ولا أحد سواهما؛ فالجهاد التركي في وجه الحلفاء واليونان، وبعبارة أخرى الحرب التي يسمونها بحرب الاستقلال، لم تكن إلا بتحريض الأئمة والمشايخ وجميع أصحاب العمائم، وذلك بصارخة الإسلام التي لباها الشعب التركي.

هذه هي حقيقة لا يكابر فيها إلا من أعمت الضلالة قلوبهم، ومن غلبوا على الأمور اليوم، فظنوا أنهم يسخرون الحقائق كما يسخرون الأهالي، ويغلبون على التاريخ كما غلبوا على المناصب، ولا نعلم أحدا من علماء الترك باع بلاده من الأجانب بجبة، وإنما كان بعضهم سيئ الظن ببعض القواد الذين أقحموا أنفسهم بحرب الاستقلال، وكانوا مطلعين من قبل على ضمائرهم بحق الإسلام والأخلاق، متوقعين من غلبهم أن يئول الأمر إلى ما آل إليه من الإلحاد في الدين، ومن هدم الخلافة، ومن القضاء على الأوضاع الإسلامية بأسرها؛ مما عاد شوقي نفسه بعد قليل فاعترف به وناح وبكى من أجله، وقصيدته الحائية التي مرت أعظم شاهد على ذلك؛ فالذين أفتوا بما أفتوا به لم يكونوا خائنين لوطنهم، وإنما كانوا أمناء لدينهم خائفين على الإسلام من أمر يأتي.

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ١٠٣