تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أكان لهذا الأمر غيرك صالح

وقد هونته عندك السنوات

أي صارت إدارة الملك ملكة عندك بطول اضطلاعك بها.

ومن يسس الدنيا ثلاثين حجة

تعنه عليها حكمة وأناة

وما زلت حسان المقام ولم تزل

تليني وتسري منك لي النفحات

زهدت الذي في راحتيك وشاقني

جوائز عند الله مبتغيات

يجعل نفسه من السلطان الخليفة بمقام حسان من رسول الله عليه السلام، ويقول إنه لم يزل مغمورا بعطايا الخليفة، ولكنه هو إنما يرغب في جوائز الله بتأييد خليفته في الأرض، لا في جوائز هذه الدنيا. ولم يشأ شوقي أن يمدح الخليفة من دون أن يمدح نفسه مقتديا في ذلك بإمامه أبي الطيب المتنبي الذي كان يقول:

فدع كل صوت غير صوتي فإنني

أنا الطائر المحكي والآخر الصدى

ويقول:

خليلي إني لا أرى غير شاعر

فلم منهم الدعوى ومني القصائد

ويقول وقد تجاوز الحد وانتهى بذلك إلى الحمق:

سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا

بأنني خير من تسعى به قدم

وهذه قصيدته «وا حر قلباه ممن قلبه شبم» ملأى بأوا وعجبا وعجرفة، لا يشك سامعها في أن المتنبي قصد يومئذ فراق سيف الدولة وقطع صلته به، ومن إعجاب الشعراء بأنفسهم ما يغتفره لهم الناس، مثل قول المتنبي:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

وأسمعت كلماتي من به صمم

ولكن منه ما يسمج على كل حال، مثل قول المتنبي «بأنني خير من تسعى به قدم»؛ شهد لنفسه بما لا يوافقه عليه أحد، فأما شوقي فلم يصل إلى ذلك الأمد في البأو، وإن كان لم يقصر في ذلك عند قوله:

ومن كان مثلي أحمد الوقت لم تجز

عليه ولو من مثلك الصدقات

ولي درر الأخلاق في المدح والهوى

وللمتنبي درة وحصاة

أي إنه كما كان أحمد بن الحسين المتنبي رجل وقته في الشعر، فإن أحمد شوقي هو رجل هذا الوقت، وإنه يفضل المتنبي بكون شعره سويا لا تجد فيه عوجا ولا أمتا، وإن المتنبي كان في شعره يعلو ويسفل، ويقرن بين الدر والحصى والسيف والعصا. (20) شوقي نصير الصون والعفاف

ولشوقي قصيدة ألقيت على جمع حافل من سيدات مصر في حديقة الأزبكية تدل على شدة اهتمامه بصيانة الأخلاق والفضائل، وتحصين التربية العائلية من نزعات العصر الحاضر ونزغات الخلاعة والفجور، بينما كثير من الأدباء يزينون للناشئة الخروج على تقاليد الصون، ويريدونها فوضى اجتماعية لا لجام لها؛ وقال شوقي ولم يزل على صراط مستقيم:

قم حي هذي النيرات

حي الحسان الخيرات

واخفض جبينك هيبة

للخرد المتخفرات

زين المقاصر والحجا

ل وزين محراب الصلاة

هذا مقام الأمها

ت فهل قدرت الأمهات؟

لا تلغ فيه ولا تقل

غير الفواصل محكمات

وإذا خطبت فلا تكن

خطبا على مصر الفتاة

اذكر لها اليابان لا

أمم الهوى المتهتكات

ماذا لقيت من الحضا

رة يا أخي الترهات

لم تلق غير الرق من

عسر على الشرقي عات

ينهى أهل مصر عن أن يقوم فيهم من يخطب فيفجر، فيكون خطبا على مصر الناشئة، ويرخي فيها من قيود الآداب الاجتماعية، ويسهل العبث بالتقاليد القديمة الكريمة، ويقول لهم: تأملوا في اليابان وشدة اعتصامها بتقاليدها مع علو كعبها في المدنية. ثم يقول لهم: ماذا افتتانكم إلى ذلك الحد في حضارة أوروبية لم تجدوا من ورائها غير العسر والرق. ثم يقول:

خذ بالكتاب وبالحدي

ث وسيرة السلف الثقات

وارجع إلى سنن الخلي

قة واتبع نظم الحياة

هذا رسول الله لم

ينقص حقوق المؤمنات

العلم كان شريعة

لنسائه المتفقهات

رضن التجارة والسيا

سة والشئون الأخريات

كانت سكينة تملأ الد

نيا وتهزأ بالرواة

روت الحديث وفسرت

آي الكتاب البينات

وحضارة الإسلام تن

طق عن مكان المسلمات

بغداد دار العالما

ت ومنزل المتأدبات

ودمشق تحت أمية

أم الجواري النابغات

ورياض أندلس نمي

ن الهاتفات الشاعرات

جزاه الله عن الإسلام خيرا، بل جزاه عن المجتمع الشرقي بأسره خيرا؛ فإنه لم يقف موقفا من مواقف الاجتماع غفل فيه عن الطريقة المثلى، وهو وإن كان كلامه لم ينجع كما يجب، ولم يؤثر بقدر ما نحب، بسبب استيلاء الضلالة على العقول وإفلات الشهوات من العقال، فلا بد أن تكون للأخلاق كرة، وأن يعود السلطان للشريعة، ويتناشد الناس أقوال شوقي هذه ويرحموا عليه. ثم قال:

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ١٠١