تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20

حرموا أنفسهم أمضى سلاح في يدهم وهو المقاطعة في الأخذ والعطاء مع اليهود من أجل فروق تافهة مؤقتة، ونسوا أن الضرر الذي يصيبهم من الأخذ والعطاء مع اليهود هو أعظم ألف مرة من ضرر هاتيك الفروق الزهيدة.

نتائج إعانة مصر لمجاهدي طرابلس وبرقة

وكنت مرة أشكو إلى أحد كبار المصريين إهمال إخواننا المصريين لمجاهدي طرابلس وبرقة الذين إن لم تجب عليهم نجدتهم؛ قياما بواجب الأخوة الإسلامية والجوار، وجبت عليهم احتياطا من وراء استقلال مصر واستقبال مصر؛ لأنه كما أن وجود الإنكليز في السودان هو تهديد دائم لمصر، فوجود الطليان في برقة هو تهديد دائم لها أيضا.

فكان جواب ذلك السيد لي: لقد بذل المصريون مبالغ وفيرة يوم شنت إيطالية الغارة على طرابلس، ولم يستفيدوا شيئا، فإن إيطالية لم تلبث أن أخذتها.

فقلت له: إن المصريين قد نهضوا في الحرب الطرابلسية نهضة هي دون شك ترضي كل مسلم، بل ترضي كل إنسان يقدر قدر الحمية، ولكن المبلغ الذي تبرعوا به يومئذ معلوم وهو 150 ألف جنيه.

فهل يطمع المسلمون في أنحاء المعمور أن ينقذوا طرابلس من براثن إيطالية بمئة وخمسين ألف جنيه؟ وهل هذه التضحية تقاس في كثير أو قليل إلى التضحيات التي قامت بها إيطالية بالمال والرجال؟!

كانت إعانة مصر في الحرب الطرابلسية 150 ألف جنيه وأنفقت الدولة العثمانية على تلك الحرب نحو مليون جنيه.

فانظر إلى ما كان لذلك من النتائج: (النتيجة الأولى):

وهي أهم شيء: حفظ شرف الإسلام، وإفهام الأوروبيين أن الإسلام لم يمت، وأن المسلمين لا يسلمون بلدانهم بلا حرب، وفي ذلك من الفائدة المادية والمعنوية للإسلام ما لا ينكره إلا كل مكابر. (النتيجة الثانية):

أن هذا المبلغ الضئيل بالنسبة إلى نفقات الدول الحربية قد كان السبب في توطين الطرابلسيين أنفسهم على المقاومة والمجاهدة بما رأوا من نجدة إخوانهم لهم، فكانت هذه المقاومة سببا لتجشم إيطالية المعتدية من المشاق والخسائر ما هو فوق الوصف، إلى أن صار كثير من ساسة الطليان يصرحون بندمهم على هذه الغارة الطرابلسية. (النتيجة الثالثة):

مهما يكن من عدد القتلى الذين فقدهم العرب في هذه الحرب فإن مجموع قتلى الطليان إلى اليوم يفوق مجموع قتلى العرب أضعافا مضاعفة.

فلقد لقي الطليان في هذه الحرب من الأهوال ما لا يتسع لوصفه مقالة أو رسالة، وفي واقعة واحدة هي واقعة «الفويهات» على باب بنغازي، ثبت فيها 150 مجاهدا عربيا لثلاثة آلاف جندي طلياني من الفجر إلى غروب الشمس إلى أن انقرضوا جميعا، إلا أفذاذا أتى عليهم الليل، ورجع العدو ولما يموتوا، وبينما كان العرب في حزن عظيم على من فقدوهم في تلك المعركة؛ إذ جاءهم الخبر البرقي من الأستانة عن برقية وردت سرا من برلين عن برقية رقمية جاءت من سفارة الألمان في رومية بأنه سقط في هذه المعركة ألف وخمس مئة جندي من الطليان، وأصاب الجنون سبعة من ضباطهم.

وهذه وقعة من خمسين وقعة بالأقل تضاهيها، فالمسلمون قد قاتلوا في هذه المعركة جيشا يفوقهم في العدد عشرين ضعفا وقتلوا نصفه أي قتلوا عشرة أضاعفهم، والله تعالى قد قدرهم لهم في حال القوة أن يغلبوا عشرة أضعافهم، وفي حال الضعف أن يغلبوا ضعفيهم فقط كما قال في سورة الأنفال:

21

يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون * الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين . (النتيجة الرابعة):

أنه قد كانت نفقات إيطاليا في الحرب الطرابلسية في السنة الأولى منها أي من سنة 1911 إلى سنة 1912 نحو مئة مليون جنيه، ويظن أنها من عشرين سنة إلى اليوم - إذ المقاومة لم تنقطع حتى هذه الساعة - قد بلغت ثلاث مئة مليون جنيه.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ص ٧