تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

وقد يقولون: إننا جربنا البذل والتضحية، وابتلينا بالنقص من الأموال والأنفس والثمرات وصبرنا ولم يفدنا ذلك شيئا، وبقي الأوروبيون مسلطين علينا، إني أنقل هذا القول عن بعضهم؛ لأني قد سمعته كثيرا.

والجواب: هل يقدرون أن يقولوا لنا أن ما يدعونه من البذل والتضحية يشبه شيئا مما يقوم به النصارى واليهود من هذا القبيل؟ أو إنه إذا نسب إليه تكون نسبته نسبة الواحد إلى المئة؟

عندنا مثال حديث العهد هو مسألة فلسطين: حدثت وقائع دموية بين العرب واليهود في فلسطين فأصيب بها أناس من الفريقين، فأخذ اليهود في جميع أقطار الدنيا يساعدون المصابين من يهود فلسطين، وأراد العالم الإسلامي أن يساعد عرب فلسطين كما هو طبيعي، فبلغت تبرعات اليهود لأبناء ملتهم من فلسطين مليون جنيه، وبلغت تبرعات المسلمين كلها 13 ألف جنيه أي نحو جزء من مئة.

15

فسيقولون: إن المسلمين لا يملكون مثل ثروة اليهود، ونعود فنجيبهم: نرضى منهم بأن ينفقوا في مساعدة ملتهم على قدر اليهود والإفرنج بالنسبة إلى رءوس أموالهم، ولا نطالب منهم الفقراء الذين لا يملكون ما يزيد على كفاية عائلاتهم.

قال الله تعالى:

ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل .

16

ثم قال تعالى:

إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف .

17

ونجيب أيضا: إنه وإن كان اليهود أغنى بالأموال من المسلمين، فالمسلمون أكثر جدا بالعدد؛ لأن اليهود عشرون مليونا، والمسلمين نحو من أربع مئة مليون،

18

فلو أن كلا من المسلمين تبرع لفلسطين بقرش واحد - وهو الذي لا يعجز عنه أحد في العالم مهما اشتد فقره - لاجتمع من ذلك ثلاثة ملايين جنيه ونصف.

فلنترك تسعة أعشار المسلمين ونفرض هذه الإعانة لفلسطين على عشر واحد منهم أي على 35 مليون نسمة لا غير، وهؤلاء الخمسة والثلاثون مليون نسمة نجدهم حول فلسطين في لمحة بصر، فإن مسلمي مصر وسورية وفلسطين والعراق ونجد والحجاز واليمن وعمان هم 35 مليونا، ولنتقاض من هؤلاء أداة قرش واحد عن كل جمجمة، فماذا يجتمع لنا من ذلك؟

الجواب: يجتمع ثلاثماية وخمسون ألف جنيه.

فالمسلمون قد تبرعوا عن هذه الأعداد كلها بثلاثة عشر ألف جنيه أي بما يساوي نحو ثلثي عشر القرش عن كل نسمة من عشر عددهم.

أهذا ما تريدون أن تسموه «تضحية»؟

أو بمثل هذه تجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم؟

أو هذه درجة نجدتكم لإخوانكم في الدين وجيرانكم في الوطن والقائمين عنكم بالدفاع عن المسجد الأقصى الذي هو ثالث الحرمين وأول القبلتين؟ أفلم يقل الله تعالى:

إنما المؤمنون إخوة .

19

أفهذه نجدة الأخ لأخيه؟!

يقولون: لماذا سادت الأمة الإنكليزية هذه السيادة كلها في العالم؟ نجيبهم: إنها سادت بالأخلاق والمبادئ الوطنية العالية، حدثني رجل ثقة أنه يعرف إنكليزيا ذا منصب في الشرق كان يأمر خادمه أن يشتري له الحوائج اللازمة لبيته يوميا من دكان رجل إنكليزي في البلدة التي هم فيها، فجاءه الخادم مرة بجدول حساب وفر عليه به 20 جنيها في شهر، فسأله الإنكليزي: كيف أمكنك هذا التوفير؟

فقال الخادم: تركنا دكان الإنكليزي الذي كنا نشتري منه، وصرنا نشتري من دكان أحد الأهالي من العرب.

فقال له الإنكليزي: ارجع إلى دكان الإنكليزي الذي كنا نشتري منه.

فقال الخادم: ولو كان ذلك يستلزم إنفاق 20 جنيها زيادة؟!

قال الإنكليزي: ولو كان ذلك يستلزم إنفاق 20 جنيها زيادة.

وسمعت أن كثيرين من الإنكليز الذين في الأقطار لا يشترون شيئا ذا قيمة إلا من بلادهم، ويرسلون إلى لندرة فيوصون على كل ما يحتاجون إليه؛ حتى لا يذهب مالهم إلى الخارج.

أفنقيس هذا بأعمال المسلمين الذين مهما أوصيتهم بالشراء من أبناء جلدتهم أو أوطانهم وعلموا أنهم يقدرون أن يوفروا في السلعة الواحدة نصف قرش إذا أخذوها من الإفرنجي تركوا ابن جلدتهم أو ملتهم ورجحوا الإفرنجي؟ أفلم يكن سبب حبوط مقاطعة العرب لليهود في فلسطين أشياء كهذه؟

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ص ٦