تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22

فهذا كان كله نتيجة تلك الإعانات القليلة والنفقات الضئيلة التي قام بها المسلمون في تلك الحرب، ولكن المسلمين ينتظرون أن تنهزم إيطالية الدولة الكبيرة التي أهلها 44 مليون نسمة، ودخلها السنوي 200 مليون جنيه في صدمة واحدة، أو في السنة الأولى من الحرب

23

وإن لم يتحقق أملهم هذا انقطع منهم كل رجاء وبطلت كل حركة، وأصاب بعضهم اليأس الذي هو مرادف الكفر بصريح الذكر الحكيم:

إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون .

24

ولنضرب مثلا ثالثا ونمسك بعده عن ضرب الأمثال؛ لأنها لا تعد ولا تحصى:

قام أهل الريف المغربي في وجه الدولة الإسبانية مدة بضع سنين إلى أن تغلبوا عليها وطردوا جيوشها بعد أن أبادوا منهم في واقعة واحدة 26 ألف جندي، وغنموا 170 مدفعا، مع أن جميع أهل الريف بقضهم وقضيضهم ثمان مئة ألف نسمة، وعدد أهالي إسبانية 22 مليون نسمة، وأراضي الريف أكثرها قاحل، والأهالي فيه فقراء يعيشون من كسب أيديهم، ولقد قاموا بعمل أدهش أهل الأرض بالطول والعرض.

فلو كان أهل الريف نصارى لانثالت عليهم الملايين من الجنيهات من كل الجهات؛ إما بطريقة خفية، وإما بواسطة جمعية الصليب الأحمر في سبيل مداواة جرحاهم.

فليقل لنا المسلمون كم جنيها قدموا للريف في ذلك الوقت؟!

ثم تألب الفرنسيس مع الإسبانيين وحشدوا لحرب الريفيين 300 ألف مقاتل وحصروا الريف من كل جانب من البر والبحر، وكانت طياراتهم القاذفة بالديناميت على قرى الريفيين تحصى بالمئات لا بالعشرات، ولم تكف طيارات الفرنسيس والإسبانيول حتى جاء سرب طيارات أميركية من نيويورك؛ نجدة لفرنسة وإسبانية (النصرانيتين على المسلمين؛ لأنهم مسلمون).

هذا كله والمسلمون ينظرون إلى حرب الريف مكتوفي الأيدي، ولبثوا مكتوفي الأيدي مدة سنة، وأخيرا نهض منهم أفراد لجمع شيء من أجل جرحى الريف، ولأجل بعث الحمية في الناس لم يكتف محرر هذه السطور بالكتابة، بل تبرع بأربعة جنيهات لأجل القدوة، فماذا كان مجموع تلك الإعانات من كل العالم الإسلامي؟ الجواب 1500 جنيه لا غير، فهل من خذلان بين المسلمين يفوق هذا الخذلان؟!

خيانة بعض المسلمين لدينهم ووطنهم واعتذارهم الباطل

ويا ليت المسلمين وقفوا عند هذا الحد في خذلان الريفيين، بل قامت منهم فئات يقاتلون الريفيين بأشد مما يقاتلون به الأجانب، وتألبت على محمد بن عبد الكريم قبائل وافرة العدد شديدة البأس؛ مالئوا الفرنسيس والإسبانيول على أبنائهم ملتهم ووطنهم؛ تزلفا إلى الفرنسيس والإسبانيول، وابتغاء الحظوة لديهم، وقد جرى مثل ذلك عندنا في سورية يوم الثورة على فرنسة، وجرى في بلاد إسلامية كثيرة،

25

أفبمثل هذه الأعمال يطالب أخونا الشيخ بسيوني عمران ربه بما وعد تعالى به من جعل العزة للمؤمنين؟!

وإذا سألت هؤلاء المسلمين الممالئين للعدو على إخوانهم: كيف تفعلون مثل هذا وأنتم تعلمون أنه مخالف للدين وللشرف وللفتوة وللمروءة وللمصلحة وللسياسة؟ أجابوك: كيف نصنع فإن الأجانب انتدبونا، ولو لم نفعل لبطشوا بنا، فاضطررنا إلى القتال في صفوفهم؛ خوفا منهم، ونسوا قوله تعالى:

أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين .

26

وقوله تعالى:

فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين .

27

وكلام مثل هؤلاء في الاعتذار غير صحيح؛ فإن الأجانب قد ندبوا كثيرا من المسلمين إلى خيانات كهذه فلم يجيبوهم ولم تنقض عليهم السماء من فوقهم، ولا خسفت بهم الأرض من تحتهم، ثم إنه إن كان الأجانب المحتلون لبلاد المسلمين قد أصبحوا يغضبون على المسلمين الذين لا يلبون دعوتهم إلى خيانة قومهم، فإنما كان ذلك من أجل كثيرين من المسلمين كانوا يعرضون عليهم خدمتهم في مقاومة إخوانهم، ويقومون بها بكل نشاط ومناصحة، ويبدون كل أمانة لهم في أثناء تلك الخيانة، ولولا هذا التبرع بالخيانة، والتسرع إلى مظاهرة الأجنبي على ابن الملة، لما استأسد الأجنبي وصار يتحكم في المسلمين هذا التحكم الفاحش، ويتقاضاهم أن يخالفوا قواعد دينهم ومقتضى مصلحة دنياهم من أجل مصلحته، بل قام يحملهم على الموت لأجل الموت.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ص ٨