تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجواب: لا، ليس في المسلمين اليوم من يفعل ذلك لا أفرادا ولا أقواما، وندر في المسلمين من ينفق الزكاة الشرعية.

وقد يقال: إن الأمة التركية وهي أمة مسلمة قد أنفقت كل ما تقدر عليه في حرب اليونان، ولم تقصر عن شأو الأوروبيين في المفاداة بالأنفس والنفائس.

والجواب: نعم.

قد كان ذلك، ومن الترك من بذل ثلث ثروته، ومنهم من بذل نصف ثروته في هذه الحرب، ولكنهم لما فعلوا ذلك انقلبوا بنعمة من الله وفازوا، وحرروا أنفسهم واستقلوا، وارتفعوا بعد أن كانوا هووا، وعزوا بعد أن كانوا ذلوا، إذا الأمم الإسلامية إذا ائتمرت في المعاداة بما أمرها به كتابها كما كان يفعل آباؤها، أو افتدت على الأقل بما هو دأب الأوروبيين اليوم من بذل النفوس والنفائس في سبيل حفظ بيضتها، وذود المعتدين عنها، لم تقطف من ثمرات التضحية إلا مثل ما قطفه غيرها، وانقلبت بنعمة من الله وفضل لم يمسها سوء.

ولكن الأمم الإسلامية تريد حفظ استقلالها بدون مفاداة ولا تضحية، ولا بيع أنفس ولا مسابقة إلى الموت، ولا مجاهدة بالمال، وتطالب الله بالنصر على غير الشرط الذي اشترطه في النصر

6

فإن الله - سبحانه - يقول:

ولينصرن الله من ينصره ،

7

ويقول:

إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم .

8

ومن المعلوم أن الله تعالى غير محتاج إلى نصرة أحد، وإنما يريد بنصرته تعالى إطاعة أوامره واجتناب نواهيه، ولكن المسلمين أهملوا جميع ما أمرهم به كتابهم (في ذلك) أو أكثره، واعتمدوا في استحقاق النصرة على كونهم مسلمين موحدين، وظنوا أن هذا يغنيهم عن الجهاد بالأنفس والأموال، ومنهم من اعتمد على الدعاء والابتهال لرب العزة؛ لأنه يجده أيسر عليه من القتل والبذل، ولو كان مجرد الدعاء يغني عن الجهاد لاستغنى به النبي

صلى الله عليه وسلم

وصحابته، وسلف هذه الأمة فإنهم الطبقة التي هي أولى بأن يسمع الله دعاءها، ولو كانت الآمال تبلغ بالأدعية والأذكار، دون الأعمال والآثار، لانتقضت سنن الكون، وبطل التشريع، ولم يقل الله تعالى:

وأن ليس للإنسان إلا ما سعى .

9

ولم يقل:

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله .

10

ولم يقل للمعتذرين عن القتال:

لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله .

11

ولم يقل:

أني لا أضيع عمل عامل منكم .

12

لقد ظن كثير من المسلمين أنهم مسلمون بمجرد الصلاة والصيام وكل ما لا يكلفهم بذل دم ولا مال، وانتظروا على ذلك النصر من الله، وليس الأمر كذلك؛ فإن عزائم الإسلام لا تنحصر في الصلاة والصيام، ولا في الدعاء والاستغفار، وكيف يقبل الله الدعاء ممن قعدوا وتخلفوا، وقد كان في وسعهم أن ينهضوا ويبذلوا؟!

13

اعتذار المسلمين عن أنفسهم ورده

يقولون: ليس عند المسلمين ما عند الإفرنج من الثروة والسعة لينفقوا في أعمال الخير وفي مساعدة بعضهم بعضا. فنقول لمن يحتج بهذه الحجة: إننا نرضى منهم أن ينفقوا على نسبة رءوس أموالهم كما تقدم الكلام عند ذكر الجهاد بالمال، فهل المسلمون فاعلون؟!

إننا نراهم قد محوا رسوم الأوقاف والمؤسسات الخيرية التي تركها آباؤهم، فضلا عن كونهم لا يتبرعون بأموالهم الخاصة، ولا يجرون مع الأوروبيين في ميدان من جهة التبرع لأجل المشروعات العامة، فكيف يطمع المسلمون أن تكون لهم منزلة الأوروبيين في البسطة والقوة والسلطان، وهم مقصرون عنهم بمراحل في الإيثار والتضحية؟! فإن العمل لأجل السلطان في الأرض، أشبه بالحرث في الأرض، فبقدر ما تشتغل فيها هي تعطيك، وإن قصرت في العمل قصرت هي في الثمر، والمسلمون يريدون سلطانا يشبه سلطان الأوروبيين بدون إيثار ولا بذل، ولا فقد شيء من لذائذهم، وينسون أن الله تعالى يقول:

ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين .

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ص ٥