تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

4

فلما كان المسلمون قد غيروا ما بأنفسهم كان من العجب أن لا يغير الله ما بهم، وأن لا يبدلهم الذل والضعة، من ذلك العز وتلك الرفعة، بل كان ذلك يعد منافيا للعدل الإلهي، والله - عز وجل - هو العدل المحض.

كيف ترى في أمة ينصرها الله بدون عمل، ويفيض عليها الخيرات التي كان يفيضها على آبائها، وهي قد قعدت عن جميع العزائم التي قد كان يقوم بها آباؤها؟! وذلك يكون أيضا مخالفا للحكمة الإلهية والله هو العزيز الحكيم، وما قولك في عزة دون استحقاق، وفي غلة دون حرث ولا زرع، وفي فوز دون سعي ولا كسب، وفي تأييد دون أدنى سبب يوجب التأييد؟!

لا جرم أن هذا مما يغري الناس بالكسل، ويحول بينهم وبين العمل، بل مما يخالف النواميس التي أقام الله الكون عليها، وهو مما يستوي به الحق والباطل، والضار والنافع، والموجب والسالب، وحاشا الله أن يفعل ذلك، ولو أيد الله مخلوقا بدون عمل لأيد من دون عمل محمدا رسوله ولم يحوجه إلى القتال والنزال والنضال، واتباع سنن الكون الطبيعية للوصول إلى الغاية.

وتصور أمة لله عندها مئة وهي تؤدي من المئة خمسة فقط، أتعد نفسها قد أدت ما عليها وهي تطمع في أن يكافئها الله كما كان يكافئ أجدادها الذين كانوا يؤدون المئة مئة، وإن قصروا عن المئة أدوا بالأقل تسعين أو ثمانين منها؟! كل هذا مخالف لما وعد الله على رسله، ومخالف للعقل والمنطق، ومخالف لحكمة التشريع، وليس هذا هو الشرط الذي شرطه الله على المؤمنين، وليس هذا هو البيع الذي يستبشر به المؤمنون.

قال الله تعالى:

إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم .

5

فأين حالة المسلمين اليوم من هذا الوصف الذي في كتاب الله؟ وأين حالتهم من سلفهم الذين كانوا يتهافتون على الموت الأحمر؛ لإحراز الشهادة، وكثيرا ما كانوا ينشدون الموت ولا يجدونه؟! وكان فارسهم يكر وهو يقول: إني لأشم ريح الجنة، ثم لا يزال يكر ويخوض غمرات الحرب حتى إذا استشهد قال: هذا يوم الفرح، وإذا فاتته الشهادة برغم حرصه عليها عاد إلى قومه حزينا كئيبا.

المقابلة بين حالي المسلمين والإفرنج اليوم

اليوم فقد المسلمون أو أكثرهم هذه الحماسة التي كانت عند آبائهم، وإنما تخلق بها أعداء الإسلام الذين لم يوصهم كتابهم بها، فتجد أجنادهم تتوارد على حياض المنايا سباقا، وتتلقى الأسنة والحراب عناقا، ولقد كان مبلغ مفاداتهم بالنفائس وتضحيتهم للنفوس في الحرب العامة فوق تصور عقول البشر، كما يعلم ذلك لك أحد؛ فالألمان فقدوا نحو مليوني قتيل، والفرنسيون فقدوا مليونا وأربع مئة ألف قتيل، والإنكليز فقدوا ست مئة ألف قتيل، والطليان فقدوا أربع مئة وستين ألف قتيل، والروس هلك منهم ما يفوق الإحصاء، وهلم جرا، هذا من جهة النفوس، وإنكلترا بذلت سبعة مليارات من الذهب (أي سبعة آلاف مليون جنيه) وفرنسة بذلك نحو مليارين، وألمانيا أنفقت ثلاثة، وإيطالية أنفقت خمس مئة مليون، وروسية أنفقت ما أوقع فيها المجاعة التي آلت إلى الثورة ثم إلى البلشفة، وهلم جرا.

فليقل لي قائل: أية أمة مسلمة اليوم تقدم على ما أقدم عليه هؤلاء النصارى من بيع النفوس، وإنفاق الأموال بدون حساب في سبيل أوطانهم ودولهم، حتى نعجب نحن لماذا آتاهم الله هذه النعمة والعظمة والثروة، وحرم المسلمين اليوم أقل جزء منها؟

وقد يقال: إن المسلمين فقراء ليس عندهم هذه الأموال لينفقوا هذا الإنفاق كله، فنجيب بأننا نوزع هذه النفقات على الأوروبيين بنسبة رأس المال، لا نكلف المسلمين إلا الإنفاق مثل الأوروبيين على هذه النسبة، فهل تسخو الأمم الإسلامية الحاضرة بما تسخو الأمم الأوروبية التي منها من قد أنفقت في الحرب العامة أكثر من نصف ثروتها؟

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ص ٤